ذ. بناجح: ما يعرفه المغرب هو تصاعد انتهاكات حقوق الإنسان وليس رِدّة حقوقية

Cover Image for ذ. بناجح: ما يعرفه المغرب هو تصاعد انتهاكات حقوق الإنسان وليس رِدّة حقوقية
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

بمناسبة تخليد الذكرى 72 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يسر موقع الجماعة. نت أن يقدم لقرائه مجموعة من التصريحات التي استقاها من مجموعة فاعلين سياسيين وحقوقيين، لمعرفة وجهات نظرهم بخصوص وضعية حقوق الإنسان في المغرب.

نترككم في ضيافة الأستاذ حسن بناجح عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، الذي اتصلنا به هاتفيا وأدلى لنا بالتصريح التالي.

———————

إن اليوم العالمي لحقوق الإنسان هو مناسبة للإطلالة من فوق على واقع حقوق الإنسان في البلدان، وطبعا بلدنا المغرب، مع الأسف، كلما حلت هذه المناسبة، إلا وكانت مناسبة لتحريك ملفات سوداء كثيرة؛ لتحريك مواجع المنتهكة حقوقهم، ولإيقاظ الآلام عند المظلومين، ولتسجيل نقاط رسوب، ونقاط فشل وتردي مستمر في سجل حقوق الإنسان في المغرب.

تصاعد للانتهاكات وليس رِدّة

البعض يتحدث عن ردة حقوقية، لكن حقيقة واقع ما يجري في المغرب هو تصاعد انتهاكات حقوق الإنسان، فقد ثبت أن ما رُفع في بدايات ما سمي “بالعهد الجديد” من شعارات، أراد رافعوها تسويق فصل بين مرحلة “سنوات الجمر والرصاص” وبين ما أرادوا أن يوهموا الناس بأنه عهد جديد. في حين لم تكن تلك الشعارات إلا قنطرة عبور ومواصلة لانتهاكات حقوق الإنسان، ولم يعد هناك أي معنى للإنصاف والمصالحة وشعار المفهوم الجديد للسلطة وغيرها من الشعارات، بل بقيت السلطوية هي السلطوية.

هذه السنة، الأمر تفاقم أكثر، وخاصة مع هذه الجائحة التي سعى النظام إلى استغلالها بشكل فج ومكشوف، لتركيز السلطوية وللإمعان في الانتهاكات الحقوقية.

في البداية، لم يتم تنفيس الأجواء نهائياً، بحيث استمرت ملفات الانتهاكات الصارخة المسجلة والمستمرة كما هي، وفي طليعتها الآن ملف معتقلي حراك الحسيمة وما جاورها، وأضيفت لها اعتقالات شباب جرادة، ولم يُعد الحق للأساتذة المرسبين، بل إننا نسمع اليوم أكثر من دليل على ترسيبات جديدة في المباريات التي جرت قبل أيام، بمعنى تصفية الحسابات على الانتماءات وهذا أخطر شيء.

وتفاقمت الأمور أيضاً هذه السنة بفتح ملفات جديدة باستمرار، محاربةً للرأي الحر والصحافة، وتجفيفا للأقلام المعروفة برأيها وكلمتها؛ عبر مواصلة اعتقال الصحفي توفيق بوعشرين بحكم ثقيل، وكذلك إضافة الصحفيين سليمان الريسوني وعمر الراضي إلى الاعتقال، والإصرار على أن يقضي الصحفي حميد المهداوي مدته كاملة، أي ثلاث سنوات، وغيرها من الملفات. وكذلك استمرار الانتهاكات في حق جماعة العدل والإحسان، ومنها البيوت المشمعة، الإعفاءات، وغيرها من الانتهاكات.

أيضاً ما قام به النظام من محاولة لتمرير قانون 22-20 مما يدل على مكنون نواياه، من سعي إلى تكميم الأفواه وإلى قتل الكلمة وإلى حصر وحصار كل نقد، بل وكل الآراء المعارضة.

فهذه لمحة عامة تؤكد لنا أن الأمر لا يتعلق بردّة، بل هو استمرار لمسلسل الانتهاكات، أضيف له شكل آخر أكثر خبثا، بالمعنى الحربي للكلمة، باستعمال جهات ما لأسلحة في غاية الخبث ضد المعارضين، لكن بشكل أخطر من الرصاص ومن الأسلحة المادية، وهو سلطة التشهير، ولا أقول صحافة التشهير لأنه لا علاقة له بالصحافة وإنما هي سلطة، تقوم بهذه الأدوار سواء بشكل مباشر، أو بالإيعاز إليها أو بالسكوت عنها أو بحمايتها وتحصينها أو بتمكينها من الملفات لاستغلالها من أجل الإيذاء والتشهير والقتل المعنوي والرمزي للمعارضين. غير أن وسائل التشهير هذه صارت معزولة وفي الزاوية، والكل يمجها ويكرهها، وما الانتفاضة في وجهها من طرف الجسم الصحافي، ومن قبل كل العقلاء في الداخل والخارج، إلا دليلا قاطعا على رفضها التام.

الاستبداد يفكك بنيته

وإن كان هذا ما يتعلق بالجرد والرصد، ففيما يتعلق بالمآلات والمخرجات، فأرى بخلاف ما يعتقد البعض من أن ما يجري من انتهاكات هو تدمير للوطن، بل إن كان في الأمر من تدمير فهو في تفكيك بنية الاستبداد، فهي بنية تفكك نفسها بنفسها؛ فعندما يصل الاستبداد إلى قمة الطغيان فهو يصل إلى أعلى نقطة للسقوط، وعندنا في التاريخ وفي محيطنا القريب مثال.

فهذا العتو والطغيان وفُحش القمع ليس دليل قوة، وإنما ممارسات للتغطية على مكامن الضعف، وتعبير عن وجود خلخلة وسط بنية الاستبداد، وهو إيذان بالتمكين للكلمة الحرة، ومساهمة قوية من حيث لا يدرون في رفع منسوب الوعي والمطالبة بالحقوق، ورفع منسوب وحدة الشعب والقوى الحية من أجل مواجهة الاستبداد ومواجهة القمع.

الأنظمة العاقلة تضمن الحقوق

الأنظمة العاقلة لا تتصور العيش بدون معارضة، ولا تتصور قوة بدون وجود وشراكة المجتمع، لا تتصور سلامة البناء، بناء البلد بدون وجود قوي لكل مكوناته، لا تتصور علاقة سليمة مع المجتمع إلا من خلال وسائط، تحفظ لها كلها قوتها وكلمتها، ويكون لها اعتبارها، ويكون لها الجو السليم والبيئة الصحية للمنافسة من أجل التداول على الحكم. هذا ما يقتضيه العقل.

لا يمكن أن تتصور حياة سليمة بدون وجود أدوات استشعار مكامن القوة وأماكن الخلل، ولا يكون ذلك إلا بوجود صحافة قوية، تستطيع أن ترصد مكامن القوة ومكامن الخلل والتنبيه لها، ويكون لهذه الأنظمة أذان طويلة من أجل الاستماع وليس من أجل التجسس، ولا أن تكون لها عصي وهراوات طويلة بل بالعكس من ذلك ينبغي أن تكون لها عقول واسعة وأذان من أجل الاستماع.

على عكس هذا نجد أنظمة الطغيان وأنظمة الفساد تعمل عكس كل هذا، بمعنى أنها تعمل خارج العقل، تعمل خارج ما وصلت إليه الحضارات لضمان التنمية، فلا يُعقل أن نؤسس للبحث عن تنمية وتسبقها مزنجرات كاسحة لكل الشروط الممكن أن تنجح فيها وتنبت فيها التنمية. هذا لا يعقل!

تنشأ لجنة من أجل التنمية ومن أجل نموذج تنموي، في حين على الواقع تتحرك العصى، وتتحرك قوى القمع التي تهدم الثقة وتلغي الوسائط، بل تعمد إلى تكميم الأفواه، فهذا لا يكون إلا في غابة، وليس في دولة من المفروض أن تتحرك فيها في شروط تضمن التنمية.

المخزن يواجه مجتمعا يتنامى وعيه

وفي الخلاصة إن هذا الطريق يؤدي لأن يصبح الاستبداد في مواجهة المجتمع وليس في مواجهة مجموعات أو هيئات أو معارضين، وهذه هي الحالة الآن، ولا أدل على ذلك من موجة وطفرة الوعي لدى عموم الشباب، فهذا يتجسد مثلا في مواقع التواصل الاجتماعي المعبرة بشكل صارخ وواضح للرفض المطلق لممارسات النظام، وعيا بها وفضحا لها.

وفي الأخير إنه إذا لم يتم مراجعة هذه الممارسات فإنها ستشكل معاول هدم ذاتية لبنية هذا الاستبداد، فهذا هو المسار الطبيعي للأمور. كما ن استمرار المخزن في البطش بأدواته الشرسة، يدل على أنه إما أحرق كل المراكب ولا يترك خط الرجعة، أو إنه الاعتداد بالطغيان إلى درجة تعمي عن رؤية الواقع كما هو، وهذه كلها عوامل وشرارات، لنقرأها بما حدث في محيطنا منذ 2011، هي عوامل لتوسيع الوعي، لتوسيع الانتفاضات، لتوسيع رفض الاستبداد، والكلمة ستكون للإرادة الشعبية يوماً أو غداً.