د. ركراكي: الصلاة شرعت لتكون “راحة للمؤمن من كل الابتلاءات والهموم والمشاكل”

Cover Image for د. ركراكي: الصلاة شرعت لتكون “راحة للمؤمن من كل الابتلاءات والهموم والمشاكل”
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

اعتبر الدكتور محمد ركراكي الباحث في الفقه الإسلامي أن الصلاة شرعت لتكون “راحة للمؤمن من كل الابتلاءات والهموم والمشاكل”، ووما يدل على ذلك أنها فرضت في سدرة المنتهى وأتت بعد حادثة الإسراء والمعراج مواساة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أوذي في الطائف.

ركراكي الذي كان يتحدث في ندوة حول “الصلاة وأثرها في صلاح المؤمن وتغيير المجتمع” التي نظمتها الهيئة العامة للتربية والدعوة لجماعة العدل والإحسان يوم أمس الأربعاء 30 مارس 2022 عن بعد، أشار إلى الأمر ابتدأ بتطهير قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، موضحا أن حادثة شق صدره عليه الصلاة والسلام وقعت مرتين، الأولى وهو طفل في السادسة من عمره ليعد إعدادا غير إعداد العامة وليكون نبيا مرسلا وسيد الخلق، ثم تكررت معه قبل حادثة الإسراء والمعراج لأنه سيكون في حضرة الله تعالى في سدرة المنتهى وينبغي أن يكون معدا إعدادا خاصا، “ولهذا المصلي ينبغي أن يستعد للصلاة استعدادا خاصا”.

أما الإسراء –يقول ركراكي- فهو الانتقال من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس على  البراق في أقصى سرعة، “لهذا ينبغي أن يكون المؤمن في شوق وتلهف ليلتقي بربه متى يحين الوقت ليكون في الموعد كما طار البراق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فعليك أيها المصلي أن تطير بروحك وجسدك إلى المسجد لتلتقي بربك”.

وذكر أن صلاته عليه الصلاة والسلام بجمع الأنبياء والمرسلين هي من أجل إظهار إمامته قبل أن يرتقي به جبريل عليه السلام، وكذلك الصلاة فهي “ارتقاء بروحك إلى رب العالمين ليصل إلى مكان لم يصله حتى الملك المقرب جبريل عليه السلام، والصلاة فرضت في مكان عال جدا، إنها سدرة المنتهى، لتعلم أن روحك ينبغي أن ترتقي عن هذه الدنيا، وترتفع إلى حضرة الله تعالى”.

هنالك جلس سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسة تأدب بحضرة الله تعالى وهي الجلسة التي نجلسها بين السجدتين، وينبغي الإنسان أن يكون مستحضرا لهذه المعاني، كيف فرضت الصلاة؟ متى فرضت؟ أين فرضت؟ ليعرف قدسية الزمان وقدسية المكان. يضيف المتحدث.

وذكر ركراكي أن سيدنا موسى عليه السلام لما فرضت الصلاة على سيدنا محمد خمسين صلاة ونزل ليخبر أمته، اعترضه وقال له ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإني بلوت بني إسرائيل بأقل من ذلك فلم يقدروا عليه. كانت لهم صلاتان صلاة بالغداة وصلاة بالعشي ولم يقدروا عليها، لهذا طلب منه الرجوع إلى ربه مرة بعد مرة.

وأورد في هذا الصدد كلاما للإمام عبد القادر الجيلاني يقول فيه: “سيدنا موسى طلب من النبي أن يرجع مرة بعد مرة عسى نظرة بعد نظرة” لأن رسول الله كان في سدرة المنتهى، وكان يغشاه من أنوار الله ما شاء، “وأنت إن حضرت بقلبك وقالبك وخشوعك وحضورك مع الله تكسى أنوارا لا يعلمها إلا الله، فكان يريد أن يستزيد من هذه الأنوار إضافة إلى التخفيف عن أمة سيدنا رسول الله”.

وعلق المتحدث قائلا: “ارجع مرة بعد مرة عسى نظرة بعد نظرة، يا فرحة العبد وسروره حين يقبل على ربه في صلاته مستشعرا هذه الأنوار وهذه الرحمات وهذه السكينة والأرزاق المعنوية التي يكسوه الله بها سبحانه وتعالى”.

وذكر حديثا شريفا استنبطه من حادثة الإسراء والمعراج، يقول فيه عليه الصلاة والسلام: “ومن الناس من لا يأتي الصلاة إلا دَبْرا، ومنهم من لا يذكر الله إلا عشرا”، ودبرا يعني متأخرا، والإسراع يعلم كيف تأتي الصلاة وأن يتعلق القلب بالمساجد والحضور مع الله يستلزم أن يكون الانجماع على الله، ولا يكون الاشتغال إلا بالله سبحانه.

فالصلاة –يقول المتحدث- أعظم ركن في الإسلام بعد الشهادتين، وسماها صلى الله عليه وسلم بالفسطاط الذي تقوم عليه خيمة، وعليه ينبغي الاستعداد لها على أتم وجه، والخشوع فيها ليس بالأمر الهين، كما قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله “كَيْفَ يُشْرِقُ قَلْبٌ صُوَرُ الأَكْوَانِ مُنْطَبِعَةٌ فِى مِرْآَتِهِ؟ أَمْ كَيْفَ يَرْحَلُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُكَبَّلٌ بِشَهَوَاتِهِ؟” موضحا أن الإنسان يكون في العمل ويشاهد صورا مما يقع حوله، وقد يتأثر بالمشاهد، وقد تؤثر فيه ابتلاءات وأمراض، ويأتي الصلاة وهو حامل لذلك مشغول به مهموم به أنى يكون من الخاشعين؟

وأشار إلى أن المفهوم الأعمق لتكبيرة الإحرام، هو “أن تجعل الدنيا ومشاكلك وهمومك وراءك وتقبل بكيانك وقلبك على الله وكأنه لا شيء بينك وبين الله إنما هو الله  نفسك وأنت المخاطب، وتسمع القرآن وهو كلام الرحمن وكأن الله يخاطبك أنت لا يخاطب الآخرين، وإنما الآخرون خلقوا لكي تأخذ منهم العبرة، وأنت خلقت لتعبد الله، وأنت المقصود بالخطاب”.

واعتبر ركراكي في حديثه أن المناجاة في الصلاة ينبغي للعبد أن يستشعرها وهو يصلي، “فعندما تخضع بالركوع ينبغي أن تقف خاضعا خاشعا لأنك واقف أمام رب العالمين، وحين تسجد تذكر السجدة التي سنسجدها جميعا إن شاء الله إن كتبنا من أهل الجنة –نسأل الله أن نكون منهم- لما يسأل الله عباده يقول لهم سلوني، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تعتقنا من النار؟ ألم… فيكشف الحجاب، فما يرونه حتى يخروا سجدا فيقولون سبحانك ما عبدناك حق عبادتك”.

لماذا لا يكون هناك خشوع في الصلاة يتساءل المتحدث قبل أن يجيب قائلا: “لأننا لا نقدر الله حق قدره، ولا نعرف ربنا كما ينبغي أن نعرفه، وما قدروا الله حق قدره. لأن القلب ملطخ بالذنوب والآثام، لأن القلب مملوء بصور الأكوان”.

وذكر ركراكي قصة مجيء رجل إلى أبي يزيد البسطامي، وسأله قائلا: “يا أبا يزيد إني أحب قيام الليل، وأعد طهوري، وأبيت معافى، فما بالي لا أقوم. قال: ذنوبك قيدتك”، وعلق عليه قائلا: “تلك الذنوب التي اقترفتها بعينك ولسانك وأذنك تقف حائلا بينك وبين ربك، ولهذا ينبغي للإنسان أن يبكر ويبدأ بتحية المسجد وبالنافلة يستقبل بها الفريضة، حتى يكون النزاع بينه وبين نفسه، قبل الإقبال بالفرض على ربه، فأعظم ما يتقرب به العبد إلى الله هو ما فترضه الله عليه”.