ذ. الريمي: سورة “البلد” نداء للخروج من الأنانية إلى الاندماج الفاعل في جماعة المؤمنين

Cover Image for ذ. الريمي: سورة “البلد” نداء للخروج من الأنانية إلى الاندماج الفاعل في جماعة المؤمنين
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

انطلق الأستاذ محمد ريمي في فقرة المدارسة من سورة البلد، التي تحوي آيات “من جواهر القرآن الكريم ومن جوامع الآي في كتاب الله عز وجل”.

الريمي في كلمته ضمن نصيحة الوفاء المركزية بمناسبة الذكرى التاسعة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين، التي نظمتها الجماعة قبل أيام، أكد أن القسم المتكرر في مطلع السورة، مع تعدد المقسمات بها وتنوعها وترتيبها كان لغاية دقيقة لا يعلمها إلا الله عز وجل، وحكمة باهرة “نفهم مما نفهم فيها أن الكريم الرحيم سبحانه عز وجل المتودد لعباده ينوع لهم أساليب الخطاب وأشكال الاستثارة، ويخاطب فيهم الفطر، ويحيي فيهم ذكرى النداء الأزلي ألست بربكم قالوا بلى لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد“.

وقال الريمي إن هذا النداء هو تنبيه إلى حرمة البلد الأمين الذي زاد شرفا وحرمة برسول الله صلى الله عليه وسلم وحلوله فيه وبإحلاله له سبحانه عز وجل. وهي الحرمة الممتدة المتوارثة من والد إلى ولد، وأردف المتحدث أن مقتضى القسم ومؤداه تفكير الإنسان باعتباره مخلوقا مبتلى بطبيعة وجوده وحقيقة إيجاده ومناط تكليفه، مصداقا لقوله تعالى لقد خلقنا الإنسان في كبد هذا هو المقسم عليه، أي “في مشقة وضنك ومكابدة وكدح دائم”. والتعبير ب (في) دلالة على التقلب والتحول في أحشاء الدنيا ومكابدة أحوالها.

وواصل الريمي حديثه موضحا أن “الكبد قريب من الكبد وهي عند العرب موطن الألم وموضع الإحساس العميق، وفيها أيضا معنى الصلابة والشدة والمعاناة والألم، يأبى هذا الإنسان -مطلق الإنسان- إلا أن يعاند ويتجبر قائلا (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يقول أهلكت مالا لبدا)”.

ومن داخل بوثقة الكبد والابتلاء -يقول ريمي- ينط الإنسان صارخا بحاله وبمقاله مَنّا وأذى وإمعانا وعنادا. مضيفا أن هذه الآية هي “الوحيدة في القرآن الكريم التي جاء فيها اقتران المال بالإهلاك؛ أهلكت مالا عوض أنفقت أو ينفق مالا أو ينفقون مالا”.

ويرى الريمي من خلال مدارسته، أن “الغفلة عن الله ونسيان رقابة الله الدائمة لهم (أيحسب أن لن يره أحد) جهلا وغرورا وغفلة وفجورا” هو نوع من أنواع العناد.

فإذا كان القول الأول هو التشخيص القرآني لداء متأصل في إنسان بعيد عن الله، وهذا الداء العضال هو الأنانية المستعلية، فإن الداء الثاني الذي أشارت إليه هذه الآية هو “الغفلة المنسية الملهية الناطقة بلسان الحال والمقال (أهلكت مالا لبدا) وبين الغفلة الملهية الناطقة بحال (أيحسب أن لم يره أحد) يظل محور وصلب رسالة وتوجيه هذه الآيات” يضيف صاحب فقرة المدارسة.

وبعد هذا التذكير الرباني والتأهيل الرباني لتلقي الأمر الإلهي، يسترسل الريمي قائلا: “يأتي التوضيح والتنبيه والتوجيه في قول الله عز وجل (فلا اقتحم العقبة)، الفاء للعطف وللفورية وللترتيب، والخلاف بين أهل النظر في القرآن حول هذه بين أربعة أوجه، بين قائل إنها للنفي أي؛ لم يقتحم العقبة. ولن يقتحم العقبة من هذا طبعه ومن هذا شأنه، ومن قال (أهلكت مالا لبدا) ومن يحسب (أن لم يره أحد). ومن قائل بأن هذه للدعاء والعياذ بالله، ومن قائل إنها للاستفهام، ومن قائل إنها للعرض وللتحضير وهو الأرجح والأقرب والله أعلم”.

وزاد موضحا؛ “أي هلا اقتحم العقبة أولى به وأجدر به، هذا الذي قال وفعل أن يوجه همه وأمره لأمر أعظم هو اقتحام العقبة، فهي إذن للعرض والتحضيض”. وهذا قوله عز وجل في سورة القيامة (أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى).

وأشار الريمي إلى أن اقتحم أصلها قحم، وقحم في الأمر قحوما أي رمى بنفسه فيه من غير روية والقحمة المهلكة والسنة الشديدة، وهي كما قال الراغب الأصفهاني: “الاقتحام توسط شدة مخيفة” وقال عن العقبة؛ “هي طريق وعر في الجبل”. وذكر أن أهل التفسير اختلفوا، هل هي في الدنيا أم في الآخرة أم في الحساب أم هي في جهنم، والراجح وما ذهب إليه الإمام البخاري وهو قول مجاهد وقول الإمام الحسن البصري رضي الله عنه أنها عقبة في الدنيا، “هي أن يحاسب نفسه وهواه والشيطان عدوه” وأردف معقبا “عقبة والله شديدة”.

معنى هذا -يوضح الريمي- أن الاقتحام دخول شجاع في الشدائد وأنه منابذة للخوف بالهجوم على ما يخاف الجبناء أنه طريق صاعدة وفيها وعورة وأنه سير حثيث وصابر، وأن له منتهى وقمة وغاية، ولجلال الفعل وعظيم الأمر وطبيعة المخاطب يأتي البيان القرآني والتأديب الرباني بديعا مدهشا مشوقا، من خلال أسلوب التكرار والاستفهام الإنكاري، فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة أي؛ “أي شيء يعلمك ومن أين لك بالخبر اليقين والفهم المبين، إن لم يأتك من لدن حكيم عليم”.

والتعبير بصيغة الماضي “ما أدراك” عوض ما يدريك “فيه إشارة وتشويق لسماع التفصيل والإخبار”. فعادة القرآن الكريم في قول “ما أدراك”؛ أن يأتي التفصيل ويأتي البيان، وفي “ما يدري”؛ أن يتأجل التفصيل أو يطوى البيان “فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة” والتقدير وما أدراك ما اقتحام العقبة، إذا هنا بينت العقبة وسيبين سبيل اقتحامها.

وأضاف الريمي أن “التفصيل يأتي أول الأمر في اقتحام العقبة، وأول مدخل لاقتحام العقبة؛ فك رقبة. والفك في اللغة هو حل قيد، والرقبة نفس الإنسان. وفي التعبير بالفك عوض التحرير -وهو التعبير الذي درج القرآن عليه في الكفارات والأحكام تحرير رقبة مؤمنة- دلالة على أن المعنى هنا أشمل وأجمل من تحرير الرقبة التي ذكرت مع لفظ التحرير”.

 فيكون المقصود والله أعلم إزالة كل القيود وكل الأغلال التي تمنع الإنسان من الاقتحام ومن الانعتاق من ضيق الكبد الذي خلق فيه، وتحريره من كل رق يستعبده ويجعله مهينا بإرادة بغير إرادته وفاقدا لزمام نفسه. يضيف المتحدث.

واسترسل متسائلا “كم هي كثيرة وثقيلة الأغلال والقيود التي تغل الإنسانية ومعها المسلمون وللأسف من خضوع للهوى وتأليه للشهوة وتقديس للذة في حضارة الغرب الاستهلاكي المادي، وهي في بلاد المسلمين وعموم المستضعفين أشد وثاقا وأنكى خناقا، منها استعباد الإنسان للإنسان وتسلط على الرقاب والتحكم في الأرزاق وعبث بمصائر الأجيال ومصادَّة لله ورسوله”. ومن حق المسلمين يضيف “أن يكونوا عبادا أحرارا في عبادة ربهم الكريم. رقاب متكاثرة متناثرة تنتظر فَكاكا، فمن ينبري لها؟”. ثم يتساءل “وكيف يفكها ومتى وإيانا؟ بل كيف يفكها من هو مستوحل في عبودية نفسه غارق في أوحال الفتنة؟ هذه أولى العقبات وأولاها”.

أما قوله تعالى (فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة) فإن (أو) للعطف وللتخيير، والملاحظ هنا أن التركيز انصرف إلى ظروف الإطعام، وليس إلى الإطعام في حد ذاته.

(أو إطعام في يوم ذي مسغبة). السغب ليس هو الجوع بل هو الجوع الشديد المنهك؛ أي الجوع مع التعب. لكن المذكور هنا ليس السغب، بل هو المسغبة، “والمسغبة هو السغب إذا عم الناس؛ أي حالة سغب جماعي، وهو المجاعة الشديدة التي تعم الناس حتى يعز الطعام ويظِن به ذوو الكرم”.

وقوله تعالى (يتيما ذا مقربة)، “أي من جمع إلى قرابة الدم والرحم فضل الصدقة”. أو (مسكينا ذا متربة)، وهو المسكين الذي بدت عليه آثار الانكسار من جهد الجوع وأصبح معدما لا شيء عنده كأنما هو ملتصق بالتراب. مضيفا أن البشرية أيضا تعيش مسغبة عامة وأنواعا متنوعة من الجوع والشدة، والسغب الملصق بتراب البهيمية والدونية والإهمال جراء ما فعلت فيها أثرة المترفين وجشع المستكبرين كان من نتائجها ملايين الجوعى والمعدمين والمشردين في أرجاء العالم غالبيتهم من المسلمين وللأسف.

لكن هناك مسغبة أخرى لا تقل خطورة وإيلاما، يقول الريمي، وهي “هذا الجوع القلبي والالتفاف الروحي الذي أكل القلوب وأتى على الأبدان وحول الإنسان إلى شظايا متناثرة وهباء مبثوثا بلا معنى ولا غاية ولا أفق، وعند المؤمنين إن شاء الله أهل الله الصادقين الصابرين سقاء القلوب ورواء الأرواح”.

ثم كان من الذين آمنوا التعبير بـ (ثم) هنا وهي للترتيب والفصل والتراخي؛ “إعلان على أنها مرتبة ممايزة لما سبقها، فقد تكون نتيجة لهما، أو تكون سببا معينا لتحصيلهما، لذلك جاء الفصل بـ (ثم) على حساب (أو) التي جاءت للتخيير في الآيتين السابقتين”، فإذا كان المعنى الأول، يكون المقام حينها، وحينها فقط؛ “يحق له شرف الانتساب إلى الذين آمنوا، إذ لن يصل إلى تجاوز العقبة الإيمانية من لم يجاوز عقبة شح النفس وعقبة قسوتها، وعقبة الجفاء أمام مناظر الخوف”.

ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، فسر غاية هذه الكينونة وحدد وظائفها من خلال “التعاون والتلاحم لممارسة الصبر على مشاق العقبة ومقاومة التسلط الخارجي وعلى العقبتين السابقتين اللتين ذكرتا في الآية السابقة، وهما الأنانية المستعلية والغفلة المنسية”.

وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، المرحمة على وزن مسغبة، وهو التراحم العام بين عامة البشر، إفشاء له حنوا على الإنسان ورحمة للإنسان وإشفاقا عليه. هذا المخلوق الذي قدمته لنا الصورة أنه يعيش في كبد وشدة وضيق.

فهذه السورة يعتبرها الريمي “نداء إلاهيا قويا حازما، وإلحاحا ربانيا حانيا رحيما، لا يملك الإنسان العقل إلا أن يسمع صداه ويستجيب لمقتضاه. نداء يتضمن معنى رفيعا يتجلى فيه الإلحاح الدائم والأزلي من الله عز وجل على عبده أن يسلك إليه السبيل حتى يصل إلى أرفع درجات القرب، لا يعبأ في سبيل الظفر بمحبوبيته بما يلاقيه من مشقة الطريق ووعورة العقبات، قبلة رجائه وحاذي مسارعته التطلع إلى رأس العقبة ومنتهاها. رأس العقبة ومنتهاها ومشارفها هو محبة الله عز وجل وشوق متزايد للفوز برضاه والظفر الدائم بمحبته ولذيذ مناجاته، قال الله تعالى: هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا“.

وأضاف “نداء يناشد الإنسان مطلق الإنسان، أن يفك عنه أولا وعمن حوله كل الأصفاد والأغلال التي تحول بينه وبين الارتقاء المستمر والسلوك الصابر لتحقيق الكمال البشري”، كما أنه نداء إلى تحرير طاقات الإنسان بأسرها، لينتقل “من موقع المسكين المترب واليتيم المقرب إلى المنتج المنفق والمطعم الكريم، وللأمة أيضا أن تملك مقومات نهضتها، وتضمن أسباب التحرر الاقتصادي والعدل الاجتماعي، والتراحم الإنساني”.

وهذا النداء يعتبره الريمي “خروجا من الأنانية المستعلية والغفلة المنسية والقعود الخامل، إلى الاندماج الحي والفاعل في جماعة المؤمنين، والانخراط الفاعل في لحمة الصابرين ولحمة المتراحمين”. حينها يكتمل في وعي المؤمن والمؤمنة وفي سلوكهما الجمع الموفق بين السعيين الأسعدين، والمطلبين الأشرفين؛ السعي الفردي إلى الله الكريم منتهى العقبة، ومطلب الأمة الجماعة نحو تحقيق الاستخلاف والتمكين في الأرض، قال الله تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين.