تنشئة الأبناء في واقعنا المعاصر: إشارات وتنبيهات (4) | تحمل المسؤولية

Cover Image for تنشئة الأبناء في واقعنا المعاصر: إشارات وتنبيهات (4) | تحمل المسؤولية
نشر بتاريخ

قاعدة 4: تحمل المسؤولية تربية على التوكل والإنجاز

ينشأ الولد المسلم وهو يستحضر معاني الرقابة الإلهية والعناية الربانية به وبخلق الله أجمعين، حتى ترتبط عنده مسؤوليته عن أفعاله بخشية الله تعالى في السر والعلن،فيشعر بواجبه تجاه ربه وتجاه نفسه وتجاه الناس الأقرب فالأقرب، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنتُ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: “يا غلام، إني أُعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سأَلت فاسأَل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف” [1].

لا بد للأبناء من هامش الحرية وهامش الخطأ وعدم ترسيخ التبعية العمياء والامَّعية الصماء، فالتربية لا تشترط التكلُّف والتصنُّع. والأخذ بمبدأ المسؤولية يفتح باب الحرِّيّة النافعة بطريقة هادفة لا تعدِّي فيها ولا ظلم، لا تهور فيها ولا تقاعس، وبالتالي فإن من شأن التربية على المسؤولية أن تُجنب الطفل الوقوع في عادات قبيحةكاللامبالاةوالاستقالة والتواكل والسلبية والجبن. وكلها ممهدات مساعدات على صناعة جيل المستقبل، ذلك أن “صنع تاريخ الإسلام.مسألة أجيال، مسألة قوة أجيال، مسألة كفاءة أجيال، مسألةإيمان أجيال، مسألة تربية أجيال، مسألة تأصيل أجيال، مسألة توصيل أجيال لتستقي من ينابيع الوحي وتستنير بأنواره” [2].

الوالد الموفَّق يتعاون مع ولده في تنمية ذاته وتطوير كفاياته، يحاوره ويوجهه ولا يستعلي عليه إن لم يلق قبولا أو إقبالا، يشجعه في حال النجاح ولا يلُومه في حال الفشل، بل يجعل من فشله فرصة للاعتبار وتغيير المسار. فالنجاح نجاحات، ولا منتهى لوجوه إمكانه. والخطأ تجربة مفيدة تحفز على الإنجاز وتعمقالمعرفة بالموضوع قيد الاختبار، ولا تغش ابنك فإن الطبع يُسترق، قال صلى الله عليه وسلم: “ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة” [3]. وكان الله في عون الوالدين إذا كانا يقاومان بإسلامهما غارات إعلام ماسخ، وتدين متشدد، وعادات جارفة، وإدارة فاسدة.

إذا بالغ الوالدان في حماية أبنائهم، تشكلت عندهم شخصيات اتكالية جبانة غير قادرة على الاقتحام وتحمل المسؤولية والإنجاز، وخاصة في مرحلة المراهقة التي لا تكفي فيها نصيحة عابرة للأم أو الأب، وإنما تحتاج إلى قوة شخصية فضلا عن تظافر جهود الجميع، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: و”مِن أهم ما تندُب الأمهات الصالحات والآباء الصالحون إليه أنفسَهم إنشاء جمعيات من الطبيبات المحسنات والأطباء والفضلاء لرعاية الشباب وتوجيهه في طور المراهقة. طور يحتاج فيه الشاب وتحتاج الشابة من ينصح ويزود بمعلومات دقيقة عن كنه الثورة الجسدية وانقلاب الكيان البيولوجي. يحول الخجل وتحولالعادة دون تلقين الأبوين معرفة البلوغ والمراهقة ومشاكلها. فالجمعيات الطوعية تنوب فيها أم عن أم في ترشيد البنت، وينوب أب عن أب في ترشيد الابن. ثم الكتب يؤلفها الطبيب المؤمن وتوضع في يد المراهقين تيسر وتبصر. من مآسي غياب التربية الجنسية الوقائية فظائع ليلة الزفاف. كان يغني عن المآسي كتاب، إن كَتَمَ العلمَ مُجَرِّبٌ وعَزَّ ناصحٌ وخَجِلَ الطالب والمطلوب” [4].


[1] سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، رقم الحديث: 2516.
[2]  عبدالسلام ياسين، تنوير المؤمنات، مرجع سابق، 2/245.
[3] صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، رقم الحديث: 380.
[4] عبدالسلام ياسين، تنوير المؤمنات، مرجع سابق، 2/284-285.