“تقرير رسمي” يكشف شبهات خطيرة تستغل بها شركات المحروقات بشكل فاحش جيوب المغاربة

Cover Image for “تقرير رسمي” يكشف شبهات خطيرة تستغل بها شركات المحروقات بشكل فاحش جيوب المغاربة
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

أقرَّ مجلس المنافسة أن سوق المحروقات يعرف غيابًا تامًا بل وتعطيلاً للمنافسة الحرة، مضيفًا، في رأي/تقرير رسمي، أن جشع الشركات المهيمنة لم يتوقف حتى في عز الأزمة؛ إذ رفعت هامش ربحها بشكل كبير وصل في سنة 2020 إلى أكثر من درهم في كل لتر واحد من الغازوال.

رأي المجلس، الصادر يوم الاثنين الماضي والمعنون بـ“الارتفاع الكبير في أسعار المواد الخام والمواد الأولية في السوق العالمية، وتداعياته على السير التنافسي للأسواق وذلك بالنسبة لحالة المحروقات (الغازوال والبنزين)”، سعى إلى دراسة تأثير الارتفاع الحاد في الأسعار الدولية على سير المنافسة في الأسواق الوطنية، خاصة مع بلوغ أسعار المحروقات في السوق الوطنية مستويات قياسية طيلة الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2022.

الهدف الأساسي من الرأي كان “إيجاد أجوبة للسؤال المتعلق بمدى ارتباط ارتفاع أسعار بيع الغازوال والبنزين في السوق الوطنية بأسعار هذه المواد عند إدراجها في الأسواق العالمية”، بالإضافة إلى “تحليل تداعيات هذا الارتفاع على وضعية المنافسة في الأسواق المعنية”.

المجلس قام بإيراد عدد كبير من المعطيات والأرقام والجداول التوضيحية التي تكشف وضعية سوق المحروقات ما بعد مرحلة تحرير الأسعار، بالإضافة إلى تحليل سير المنافسة في الأسواق وكذا بنية أسعار البيع وهوامش الربح المحققة من طرف الفاعلين الناشطين، فضلا عن أرباحهم المالية. ومن خلال دراستنا لـ”التقرير” نستطيع أن نركز على عدد من الخلاصات حول ما توصل إليه المجلس:

الخلاصة 1: وجود “شبهة الإهمال والتحيز” من طرف الدولة، حيث يفضي تقادم المقتضيات والنصوص التنظيمية المؤطرة للسوق، التي يرجع تاريخها إلى سبعينيات القرن الماضي، والتي صارت متجاوزة بشكل كبير، وذلك رغم الاضطرابات والإشكالات التي طبعت أسواق هذه المنتجات، والتغيرات الكبرى التي شهدتها هذه الأسواق على الصعيدين الوطني والدولي، يفضي هذا التقادم “إلى حالات من المعاملة التمييزية والتفضيلية، مما قد ينعكس على قواعد المنافسة النزيهة”، حيث تبقى مثلا شروط الولوج إلى سوق الاستيراد أو منح رخص الاستيراد خاضعة للسلطة التقديرية للإدارة، زيادة على أن عدد محطات الخدمة الضرورية للشروع في مزاولة نشاط التوزيع مرتفع ومقيد.

الخلاصة 2: وجود “شبهة الاحتيال”؛ إذ نجد علاقة ترابطية قوية بين أسعار برميل النفط الخام وعروض أسعار المنتجات المكررة وأسعار البيع في السوق الوطنية خلال سنتي 2018 و2019، فيما تراجع مستوى هذا الترابط بين أسعار برميل النفط الخام وعروض أسعار المنتجات المكررة وأسعار البيع في السوق الوطنية خلال سنتي 2020 و2021 والأشهر الأربعة الأولى من سنة 2022.

الخلاصة 3: وجود “شبهة الغش” بلجوء الفاعلين إلى التمرير الفوري للزيادات في عروض الأسعار العالمية، غير أنهم في حالة انخفاضها، يسعون أولا إلى التخلص من مخزون المنتجات التي قاموا بشرائها سابقا بسعر أعلى، ويميلون إلى تكريس هوامش الربح أو حتى الزيادة فيها.

الخلاصة 4: وجود “شبهة التواطؤ” وتعطيل التنافسية، وذلك نظرًا لمستوى المردودية المالية المرتفع للغاية الذي يحققه النشاط في هذه السوق، وهو ما لا يشجع الفاعلين على التنافس بواسطة الأسعار في هذه الأسواق، طالما أن النتائج الإيجابية المتعلقة بحساباتهم المالية تظل مضمونة أو شبه مضمونة، بصرف النظر عن الظرفية أو عدد الفاعلين، حيث تبقى حصص السوق مستقرة مع تغييرات طفيفة خلال الفترات المدروسة، بالإضافة إلى تسجيل سلوكيات سلبية للفاعلين الذين قاموا بإبطال أية منافسة على أسعار البيع، ففي الوقت الذي انخفضت فيه الأسعار عالميا سنة 2020 لوحظ أن هؤلاء الفاعلين فضلوا مضاعفة هوامش ربحهم، بدلا من السعي إلى الزيادة في حصصهم السوقية عن طريق تطبيق تخفيضات هامة في أسعار البيع. مما جعل المجلس يخلص إلى أن “المنافسة على أسعار البيع في هذه الأسواق كانت شبه غائبة أو تم إبطالها”.

الخلاصة 5: “شبهة الاستغلال” بالاكتفاء باستعمال أقل من نصف القدرات التخزينية من طرف الفاعلين (حوالي 50%)، رغم أن قدرات تخزين المغرب للمحروقات بلغت حوالي 1.2 مليون طن سنة 2021، أي ما يفوق نسبة %15 المسجلة سنة 2018. بالإضافة إلى ملاحظة تسجيل نقص مزمن في التخزين مقارنة بما تنص عليه المقتضيات التنظيمية المتمثلة في 60 يوما من مبيعات المنتوج ومن القدرة، إذ لم يخول المخزون المتوفر عند متم سنة 2021 من تغطية سوى حوالي 29 يوما من الاستهلاك في المتوسط، بينما مكن المخزون المتوفر من البنزين من تغطية 32 يوما فقط من الاستهلاك.

الخلاصة 6: وجود “شبهة الاحتكار” حيث تستحوذ الشركات الأربع الرائدة في السوق، والمتمثلة في “Afriquia” و”Total” و”Vivo” و”Petrom” دون غيرها على حوالي %68 من الواردات بالحجم، وتتوفر على أزيد من %61 من قدرات التخزين المحدثة، وذلك بالرغم من تزايد عدد الفاعلين الجدد الذي انتقل من 11 فاعلا سنة 2018 إلى 25 فاعلا فـي الوقت الراهن. وناهيك عن مستوى التركيز العالي في سوق توزيع هذه المنتجات حيث تستحوذ نفس الشركات الأربع على نسبة %53 من شبكة التوزيع، يضاف النمو المتسارع لشبكة توزيع الغازوال والبنزين عند ذات الشركات.

وفي الوقت الذي سجلت السوق الوطنية لتوزيع الغازوال والبنزين رقم معاملات بلغ نحو 60 مليار درهم (متوسط 2021 – 2018)، %90 منه آلت إلى الغازوال، نجد أن الشركات الأربع الرائدة دون سواها حققت حوالي %65 من رقم المعاملات الإجمالي في السوق.
الخلاصة 7: “شبهة التحايل” برفع هامش ربح بيع المحروقات إلى مستويات قياسية، تتراوح بين 1,25 درهما و1,45 درهما للتر الواحد، بالإضافة إلى تسجيل مستوى مرتفع من هوامش الربح الخاصة بالتوزيع سنتي 2020 و2021 بالتزامن مع تهاوي أسعار النفط الخام وعروض أسعار المنتجات المكررة على الصعيد العالمي. ونتيجة لذلك استفادت شركات التوزيع من تهاوي الأسعار في السوق الدولية لمضاعفة أرباحها، حيث شهدت الأسعار على الصعيد العالمي انخفاضا بلغ 1.73 درهما للتر سنة 2020 بينما تراجعت أسعار البيع في الأسواق الوطنية بـ1.18 درهم للتر فقط. ورغم أن الشركات تقوم بتحديد أسعار البيع للموزعين مرة كل أسبوعين، إلا أنه لوحظ باستمرار قيامها بتفعيل تغييرين أو أكثر في أسعار البيع المرتفعة لكل أسبوعين، كما هو الحال خلال أشهر مارس وأبريل ويوليوز 2021.  

ورغم هذه الخلاصات الخطيرة التي أعلنها تقرير مجلس المنافسة، وهو ما يعد أمرا ايجابيا لفضح جشع شركات المحروقات، وحمايتها والتواطؤ معها من طرف جهات نافذة، إلا أن الكثير من المراقبين سجلوا ملاحظات مهمة حول هذا الرأي الذي قدمه المجلس:

الملاحظة 1: سجل كثير من المتابعين والخبراء استغرابهم من اعتبار واضعي الرأي دخوله في إطار “مبادرة للإدلاء برأي”، وكأن الجشع الظاهر للعيان والذي كان محط سخط عارم من المغاربة بمختلف مستوياتهم، لم يكن ضاغطا كي تتفاعل المؤسسة مع الأمر، مما يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدية وجدوى ومآل هذه “الإحالة الذاتية”!

الملاحظة 2: الاكتفاء بهذا “الرأي” يجعل هذه المؤسسة الرقابية أشبه بمعهد تحليل أو مجلة دراسات، فمن غير “مجلس المنافسة”، وهو المؤسسة الدستورية الوحيدة المكلفة بحراسة المنافسة، يملك من الصلاحيات ما يتجاوز مجرد إبداء “الرأي” إلى صلاحيات تقريرية وزجرية في مجال حماية حرية الأسعار والمنافسة الحرة؟! ومن الذي يتمتع بسلطة تقريرية في ميدان محاربة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة ومراقبة عمليات التركيز الاقتصادي إذا اكتفى “مجلس المنافسة” بمجرد تقديم رأي؟!

من القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة

الملاحظة 3: رغم كل الخلاصات الخطيرة التي توصل إليها المجلس، اكتفى “الرأي” الصادر بأن يختم بـ”توصيات” فقط، في تخلٍ إرادي غريب عن الدور الرقابي الزجري، فما هي الرسالة التي يتلقاها كل المتتبعين بعد الإعلان الرسمي الواضح عن “تعطيل المنافسة” و”الاستغلال” و”الأرباح الخيالية المتراكمة نتيجة التلاعب” دون أن يتبع ذلك أي محاسبة؟!

 الملاحظة 4: بدا واضحا في “التقرير” ما يشبه “التلاعب” بالمصطلحات، فطريقة “صياغة” عدد من المعطيات والمفاهيم، استفزت كثيرا من المتابعين، خاصة حينما أرادت إخفاء حقيقة استئثار واستحواذ الفاعل الأكبر في سوق المحروقات “Afriquia” المملوكة لرئيس الحكومة، ومراكمتها للأرباح الفاحشة بشكل كبير جدا، حيث تم مثلا تعويض هامش الربح بـ”الربح الصافي”، رغم قيام شركة “Afriquia” بتحويل جزء من ربحها إلى استثمارات ترفع بواسطتها قيمتها السوقية، وبالتالي إضافة تلك الاستثمارات إلى خانة النفقات لتقلّص “الربح الصافي”، وبذلك يصير الرقم النهائي المعروض مبرئا للشركة، وجاعلا إياها في مؤخرة ترتيب الشركات المستفيدة من الأزمة بأقل نسبة من الأرباح!!
الملاحظة 5: منذ إغلاق محطة التكرير “لا سامير” سنة 2015، وجد المغرب نفسه ملزما باستيراد حاجياته من المنتجات المكررة بالكامل (الغازوال والبنزين والفيول والكيروسين)، ومنذ ذلك الحين أضحت بلادنا تعتمد كليا على الأسواق العالمية لهذه المنتجات. وفيما أوصى التقرير السابق للمجلس بضرورة العودة إلى تكرير البترول، قام “الرأي” الحالي بالتوصية بإعادة دراسة الأمر!

الملاحظة 6: التأخر غير المفهوم في إصدار هذا الرأي، والذي لا يختلف كثيرا عن التقرير السابق سنة 2019، ولا عن نتائج المهمة الاستطلاعية سنة 2018. بل لقد كانت القرارات العقابية جاهزة ضد شركات المحروقات، إلا أنه قبيل انتخابات 2021 التشريعية توقف مسار صدور هذه العقوبات، وتم انتظار مرور الانتخابات، ومن ثم أعيد تعديل قانون مجلس المنافسة من طرف الحكومة الجديدة، إلى أن وصلنا إلى إصدار هذا “الرأي”.

أخيرًا

ملف المحروقات هذا لا يعدو إلا أن يكون مصباحا كاشفا من بين مصابيح عديدة تكشف جانبا من الفساد المرهق للبلاد والعباد، فرغم كل الهرج الذي أثاره والغضب العارم الذي نشأ عنه، والتأثير الكبير الذي يمثله على حياة المغاربة اليومية، وتضررهم من الارتفاع الكبير للأسعار بشكل خطير لامس آثاره الجميع، لم تتحرك السلطات المعنية للوقوف بشكل جاد على الموضوع، ومنع هذا الإضرار الكبير بجيوب المغاربة وحياتهم.

ورغم الإقرار الرسمي المتكرر بالخروقات الحاصلة في الملف، لم نر أي عقوبات أو محاسبة للمتورطين، وما كشفه هذا التقرير الأخير أكبر من مجرد وجود شبهة “اتفاقات غير مشروعة” حول الأسعار، بل الأمر أخطر من ذلك، فهناك مقتضيات قانونية ريعية يتم الاحتفاظ بها للآن حتى يبقى الوضع على ما هو عليه، وهو ما تتحمل فيها الدولة المسؤولية الأساسية، يضاف إلى هذا ممارسات الفاعلين “الكبار” في السوق المستفيدين من غياب الرقابة على أنشطتهم وجشعهم.

فماذا بعد انكشاف كل هذا الجشع المرعب، والتهرب الواضح من المسؤولية، والإفلات الصادم من أي عقاب، إلا أن يتأكد المغاربة من حقيقة الوضع في هذا البلد نخبة فاسدة وسلطة متواطئة وشعب مفقّر مقهور؟!