الواقع المشئوم…

Cover Image for الواقع المشئوم…
نشر بتاريخ

بقلم: عبد الله وخلفن

عندما أجول بنظري في الوقع الدولي والإقليمي والمحلي على السواء وأرى فيه ما أرى من مآس وأحزان ومناكر وفواحش ما ظهر منها وما بطن، أحس بخيبة الأمل، وأرى الجميع مسئولا عن هذا التردي الحاصل في واقع الناس كل من موقعه، دولا كانوا أو شعوبا، أفرادا وجماعات، انطلاقا من التوجيه النبوي الشريف “ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته…”، حديث متفق عليه. لكن درجة المسئولية تختلف حسب موقع كل واحد، والذي يهمني هنا ما ذا عسى مثلي أن يقدمه من أجل تبرئة الذمة ولو بأدنى المستويات، وتنفيذا للحديث الشريف الذي يقول فيه المصطفى عليه السلام: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان” حديث رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

من وسط هذا الشعور بالمسؤولية تولدت عندي رغبة في أخذ القلم وكتابة مقالة أضمنها خواطري تجاه الواقع البئيس، هدفها التحسيس بمآسي الإنسانية جمعاء ومآثمها هنا وهناك، لعلني بذلك أزيل الغشاوة عن بعض الأفهام الغافلة أو التي وقعت أسيرة للإعلام الرخيص الذي يموه الحقائق ويزيفها عن قصد أو غير قصد، ذاك ما يختلج في ذهني. فلما عزمت على التنفيذ بدأت باستعراض الوقائع والأحداث الجديرة بالاهتمام واحدة تلو الأخرى، من أجل تحديد الموضوع، انطلاقا من الواقع الدولي أولا ثم واقع الأمة الإسلامية والعربية ثانيا، فوجدت كثرة الجراحات والأحزان التي يصعب معالجتها، فضيقت المجال أكثر لأصل إلى الواقع المغربي بالتحديد، ومع ذلك وجدت القضايا والهموم أكثر من أن تستوعبها مقالة واحدة مهما كانت طويلة، فزدت في التخصيص والتحديد لأفرد المقالة بواقع قريب إلى اهتماماتي الشخصية لعلني أحسن الأداء وأفيد من يقرأ لي، وأعني بذلك تخصيص المقالة بالحديث عن إحدى الجماعات الإسلامية المغربية التي احتكت بالواقع فنالها ما نالها من الأذى والضرر من النظام مما يصعب حصره، ولكنني مع ذلك تجدني عاجزا عن تنفيذ الخطة، من أين أبدأ وإلى أين أنتهي، وماذا أكتب وماذا أذر ؟ فبدأت أردد قول الشاعر العربي:

تكاثرت الظباء على خراش.. فما يدري خراش ما يصيد

ومن استعراض الوقائع المختلفة هنا وهناك تولدت لدي مقالة وافية الأركان لم تعد بحاجة إلى تفاصيل وبسط، لأنني استنزفت الوعاء المطلوب والحيز المعقول للمقالة، وإليكم مضامين تلك الرحلة الذهنية التي مررت بها وأنا أبحث عن تحديد الموضوع القمين بالكتابة.

البحث عن الموضوع

قلت: هل أكتب عن الواقع الدولي الذي يعرف تموجات ومشاكل بالجملة؟ من قبيل المعايير المزدوجة التي تتعامل بها الدول الكبرى مع بقية العالم، مثل نظام الفيتو العنصري، واستنزاف موارد الشعوب وخيراتها من طرف دول الشمال الاستعمارية، وتأييد الأنظمة الاستبدادية وفرضها على الشعوب، والتسابق إلى تصدير الأسلحة للدول وكذا إلى صنع أسلحة الدمار الشامل، والوقوف إلى جانب الصهاينة الغاصبين، وإشهار تهمة الإرهاب في وجه كل المعارضين الذين يتطلعون إلى امتلاك القرار، ناهيكم عن إشعال فتيل الحروب والتسويف في حل الأزمات والصراعات في العالم الثالث، كل هاته المواضيع وغيرها تستحق الكتابة والنشر، لكن تبين لي أن مثل هذه المواضيع لها أهلها والمتخصصون فيها ولقد تم تسويد آلاف الصفحات حولها إن لم أقل آلاف الكتب دون جدوى، هذا السبب أقنعني باستبدال الواقع العالمي بواقع الأمة الإسلامية لأن معاناة المسلمين أكثر من أن تحصى…

نعم الأولى بالكتابة معاناة المسلمين وقضاياهم الشائكة، وعلى رأس تلك القضايا قضية فلسطين صارت يتيمة لا بواكي لها. أم أن القضية التي تعتبر من الأوليات هي تحرير الأوطان من حكام متغلبة مستبدين، فرضوا أنفسهم بالقوة على الأقطار الإسلامية خاصة العربية منها كرها، فجمعوا بين الثروة والسلطة بأنواعها المختلفة، دون رقيب أو حسيب، ناهيكم عن انتشار الفساد الذي ينخر مفاصل الدول، هل أكتب عن هذا أم أكتب عن هرولة الأنظمة نحو التطبيع واختفاء خطاب المقاومة والجهاد والتحرير ليحل محله خطاب السلام والانبطاح، دون العودة إلى استشارة الشعوب عند اتخاذ تلك القرارات المصيرية القاتلة؟ أم أن الأحداث التي تعيشها بعض الدول العربية هي الأولى بالمعالجة والاهتمام من مثل ما وقع ويقع في اليمن من حرب مدمرة لا تبقي ولا تذر، من إخوة أشقاء تحت شعار تحرير اليمن غصبا عنهم ودون إرادتهم لهذا الاختيار المدمر؟ هل أكتب عن اليمن أم بلاد الشام التي عاشت أكثر من عقد من الزمن تحت وطأة البراميل المتفجرة والتهجير القسري والإبادة الجماعية على مرأى جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة ودول الاستكبار العالمي؟ أم أن بلاد أم الدنيا “مصر” أولى بالكتابة من غيرها لكونها قلب العالم العربي وأكبر دوله من حيث عدد السكان، لقد عاشت مصر ثورة يناير المجيدة، وكادت أن تتحرر لولا المكائد والمؤامرات من أمراء البيترودولار الذين يخافون أن تمتد إليهم شظايا الثورة، بالإضافة إلى تواطؤ الغرب على وأد الثورة ورموزها فشاهدوا بأم أعينهم جميعا أكبر محرقة في التاريخ لأناس أبرياء ينشدون الحرية والكرامة، كما شاهدو ولا زالوا يشاهدون محاكمات صورية وإعدامات دون أي اعتراض؟ هل أكتب عن مصر أم أكتب عن ليبيا التي بدورها هبت عن بكرة أبيها فقضت على الطاغوت، وسعت بعد ذلك سعيا حثيثا للنهوض، لكن الثورة المضادة كبلتها ومنعتها من التحرر والنهوض، وإلى حد الآن لا زالت تتلمس الطريق وسط ظلمات حالكات يتم التدبير لها من الخارج ألا تستحق منا وقفة ونصرة؟ وإلى جانب ليبيا تونس الرائدة في الحراك الشعبي التي كدنا نجزم أنها تخطت الصعاب بقضائها على الاستبداد واقترابها لبر الأمان، لكنها ويا للعجب رجعت القهقرى بسرعة كبيرة، ولم ترس دواليبها إلا عند المربع الأول، بسبب الثورة المضادة التي طفحت على الصفح، وكأن شيئا لم يكن هي بدورها تستحق منا النصرة ولو بمقالة؟ ولم يكن بلاد الجزائر والعراق ولبنان وغيرها من الأقطار العربية بمنأى عن هذه الثورة المضادة التي استنزفت العباد والبلاد، نعم تستحق منا كل هذه الأقطار التعريف بقضاياها بآلامها وآمالها. أما معاناة الأقليات الإسلامية في بلاد الصين والهند والفلبين بل حتى في أوروبا حيث التضييق على المسلمين وحرمانهم من خصوصياتهم رغم ما يزعمونه من حرية ومساواة، فهي تزداد نتانة وفظاعة، كل هذا وغيره حاصل رغم كل ما يقال.

استصعبت هذه المهمة بتشعباتها وجراحاتها الغائرة، ففضلت الانتقال إلى الواقع المغربي باعتباره وطني، وهو الأولى بالنصرة، فهو يعيش أزمات ونكسات ونكبات إن على المستوى الحقوقي والحريات أو على مستوى التدبير اليومي من صحة وتعليم وبطالة وغلاء وتوسيع دائرة الفقر وما يصاحب ذلك من إجرام وخوف وفقدان الأمن خاصة في المدن. هل أتحدث عن هذا أم أتحدث عن الاستبداد وأزلامه الذين وجدوا الفرصة سانحة بسبب الجائحة فكشروا عن أنيابهم بإحكام القبضة على المواطنين وفرض الهيمنة على كل من تسول له نفسه الحديث عن الحرية والحقوق والكرامة، ولو كان من رجال الصحافة والإعلام أو من هيأة القضاء أو الهيآت الحقوقية وغيرهم، ممن يظن أن القانون يكفل له حرية التعبير والاختيار؟ هل أكتب عن هذه الردة الحقوقية أم أكتب عن جريمة التطبيع مع الصهاينة التي اخترقت مفاصل الدولة بسرعة البرق امتدت لتصل حتى الشأن الديني الذي هو من الخصوصيات؟ آه ثم آه ما ذا أقول؟ ماذا أصاب القوم حتى عميت أبصارهم وانطمست قلوبهم، وانقلبت موازينهم، وفقدوا الإحساس بما هم فيه من ذل وهوان، فصار ينطبق في حقهم قول المتنبي:   

من يهن يسهل الهوان عليه.. فما لجرح بميت لإيلام

لم يستقر اختياري بعد، فهذه الأحداث كثيرة من جهة، وكبيرة على قلمي، فقلت في نفسي: إن لهذه الأحداث والانحرافات من يدافع عنها بشكل أو بآخر، من أحزاب وقد قارب عددها أربعين حزبا، ونقابات عديدة وهيآت ومنظمات ونخب إعلامية وفكرية… قلت: فلماذا لا أعود إلى واقع قريب إلي ويدخل ضمن اهتماماتي الخاصة، يحتاج إلى من يعرف بمظلوميته المتعددة الجوانب، وأعني بذلك الكتابة عن مظلومية إحدى الجماعات الإسلامية في المغرب وهي جماعة العدل والإحسان لأنني من المهتمين بها. لقد نال هذه الجماعة من النظام ما نالها من أذى وظلم، طالها وطال جل أعضائها المنتسبين إليها..

شرعت في استعراض المظالم التي لحقت بالجماعة منذ تأسيسها حتى اليوم من محاكمات وسجون واعتقالات وحصار، تبين لي أن الموضوع لازال كبيرا فلا داعي للعودة إلى التاريخ فليتم التركيز على المظالم المعاصرة التي لا زال أثرها ممتدا إلى الآن، لقد وجدتها مظالم كثيرة بدورها ولا يمكن تغطيتها كلها، ولذلك فأنا حائر هل أكتب عن البيوت المشمعة دون وجه حق ودون حكم قضائي، ويد المخزن الباطشة تمتد إليها بين الفينة والأخرى بالسرقة أو بالحرق أو بالإهمال؟ أم أكتب عن الأساتذة المرسبين باعتبارهم قضايا اجتماعية ملحة لا يمكن التغافل عنها؟ أم أتحدث عن أطر الجماعة المعفيين من مناصبهم ووظائفهم دون اتباع المساطر الإدارية والقانونية المعمول بها؟ أم أن الأمر الذي يستوجب الكشف هو الإقصاء الممنهج الذي طال ويطول عددا من أعضاء الجماعة من حقوقهم في التوظيف خاصة منهم القيمين الدينيين الذين تم إعفاء المكلفين منهم وإغلاق الباب في وجه الآخرين، كما تم إقصاء بعض الأطر من الترقية وطرد بعض الطلبة من الدراسة أو المنع من ولوج الجمعيات والهيآت، والحرمان من استعمال المرافق العمومية ومن الاجتماعات والتجمعات، وغيرها من الحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تكفلها كل الشرائع، وكأن الدولة ضيعة مملوكة للحاكم يفعل بها ما يشاء؟!

خاتمة

انتهت المقالة دون الوصول إلى تحديد الموضوع الجدير بالكتابة، لأن المآسي متعددة ومتشابكة، والانحرافات أكثر من أن تعد وتقتفى. اشتد الخطب وعجز القلم عن متابعة كل هذه المظالم والانحرافات، فلم يعد لنا ظهير ولا نصير سوى الوقوف بباب الله تعالى مستجيرين ومستغيثين، لكن دون الاستسلام والخضوع وترك أسباب النصر والتمكين مهما كانت العقبات، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سهم من سهام الإسلام كما في الأثر.

وأختم بهذه الأبيات للإمام الشافعي رحمه الله تعالى التي يقول فيها:

يا من يرى ما في الضمير ويسمع.. أنت المعد لكل ما يتوقع

يا من يرجى للشدائد كلها.. يا من إليه المشتكى والمفزع

اجعل لنا من كل ضيق مخرجا.. والطف بنا يا من إليه المرجع.

وبهذا النداء والاستغاثة أسدل الستار عن هذه المقالة المشئومة التي لم أتمكن بعد من تحديد موضوعها.