المشروع الصهيوني يبدأ بفكرة وينتهي باحتلال

Cover Image for المشروع الصهيوني يبدأ بفكرة وينتهي باحتلال
نشر بتاريخ

بدأت نوايا المد الصهيوني تظهر بجلاء بأرض المغرب الطاهرة التي تعد بالنسبة لهم الأرض المقدسة الثانية؛ بعد التيه الكبير أو ما يعرف بفترة «السبي البابلي» الذي قام به الملك البابلي نبوخذ نصر “بختنصر” (585 ق.م)، ففي رواياتهم الدينية ينظر لهذا الغزو كأداة عقاب إلهي على فساد بني إسرائيل تفسيرا للحدث الكبير، وهذا ما يتماهى مع الطرح القرآني الذي يبسط الموقف الإلهي منهم، وأنه تعالى كتب عليهم الشتات؛ بالعيش بين شعوب العالم بدون أرض تجمعهم.

فباب دكالة -يوم الثلاثاء 21 أبريل الجاري- للأسف أمسى حائطا لمبكى الصهاينة، والظهور العلني لأداء طقوسهم التلمودية فيه جرأة على المكان وأصحابه، ويمثل تجاوزا يمس عقيدة المغاربة. بينما المشهور في المصادر التاريخية أن الدولة المغربية الوسيطية حددت لهم «الملاح» كمجال لممارسة حياتهم اليومية اجتماعيا واقتصاديا وعباديا، كحيز مكاني ضمن لهم بعض الخصوصية، لكن أن يتم تحويل «ذاكرة المكان» كمعطى تاريخي لمطلب راهن، يقضي مجددا بالاستيطان، وإمكانية توطين من هاجر من “اليهود المغاربة” طواعية، إذ لم تكن أبدا هجرة قسرية لفلسطين بداية القرن العشرين، فمن آمن منهم بالمشروع الصهيوني كفكرة محركة وباعث لتنزيلها في الواقع، فليس لهم مكان بيننا، ومعلوم أنه من بين آليات السيطرة الانسياب برفق، ثم تأتي بعدها مرحلة الاستحواذ العنيف على وطن الغير. فبأي وجه يعودون؟

لقد بدأت الأمور تتحول بشكل سريع من قضية انتماء لوطن «يهود مغاربة»، والمقصود هنا من تشبث منهم بالبقاء في الأرض، وبذلك حافظوا على الهوية المغربية، إلى مسألة عقدية تؤمن بقداسة المغرب كأرض الميعاد للصهاينة، فالتطبيع يمنح كيان الاحتلال مشروعية توسيع أطماعه الاستيطانية لأبعد من فلسطين، ها نحن نرى كيف يتصرف «الحريديم»، في بلادنا بلا حدود ولا قيود، وهي الطائفة الأكثر تشددا دينيا بإسرائيل، تقوم بتمرير سردية تاريخية واهية لطالما اعتقد فيها «شعب الله المختار»! هكذا بدأ الأمر باحتلال فلسطين مع وعد بلفور، أترانا نشهد بداية أسطورة المغرب الأرض المقدسة، ليتوافد الشتات “اليهودي” من كل الآفاق؟ وهل سنعايش مشهد الطرد الجماعي أو التهجير القسري للمغاربة من بيوتهم ومدنهم كفاس، ومراكش والصويرة وغيرها؟ كما جرى الحال في حيفا والقدس والجليل… ليعاد تشكيل المجال المغربي وفق تصور يستوعب الوافد الجديد، بالعمل الحثيث على تهييء خريطة مجالية قصد “توطين الصهاينة”، فيصبح الوطن بذلك ضيقا على مواطنيه، ليعيشوا نكبة مثل نكبة فلسطين؛ فالمخطط الصهيوني يدعو إلى التغلغل السلمي في البنية المجتمعية للمغرب، عبر شراء العقار في المدن العتيقة، ثم التحكم في الاقتصاد، والفلاحة، ليصبح المعيش اليومي، والمصير الوطني تحت سيطرتهم الفعلية، كل هذا لم يأتي من فراغ وإنما بتخطيط دقيق واستراتيجية مدروسة تتبنى منهجا تكتيكيا يقوم على معرفة كيفية التطبيق وآلياته.

فالفعل قد بدأ! ولجس نبض الشارع والرأي العام؛ سيعلن مرة تلو مرة عن تصرف مستفز هنا وهناك، فهو يحاول بشتى الطرق الممكنة إيجاد ثغرات نفسية للتأثير غير المباشر في الوعي الجمعي المغربي، ومتى وقع التطبيع النفسي مع هذه التصرفات، لتصبح سلوكيات مألوفة لدى المغاربة؛ سيمر لزعزعة الثوابت، وسينتظر بصمت ردود الأفعال لقراءة الوضع العام، وهو في ذلك لا يأل جهدا في تنفيذ مساره الذي رسمه بعناية، بحجة الانتماء وادعاء «تمغربيت» ظلما وعدوانا، فإذا سكت الجميع، انتقل لمرحلة استخدام القوة…

هذه من بين نتائج التطبيع الفورية، والأمور إن لم تحل الآن ستزداد تعقيدا وهذه الخطوة الاستفزازية ستتبعها خطوات أخرى أشد وقعا وخطورة، لنرى منهم في المستقبل العاجل ما يسوء هذا الوطن وأبناءه…