الأخفياء يظهر الله أمرهم متى يشاء

Cover Image for الأخفياء يظهر الله أمرهم متى يشاء
نشر بتاريخ
مومنات نت
مومنات نت

أمُّنا هذه الحبيبة – رحمها الله رحمة واسعة وأعلى مقامها في الجنة – والتي كانت بين ظهرانينا مخفية، وما عرفنا قدرها، وقد حجبتنا بشريتها عن سرها الطاهر، ومحتدها الطيب، أراد الله أن يظهر لنا ما نعلمه عامّا من أمرها، بشهادة من صحبت ومن صحبها من الأخيار الأطهار الأبرار، ومما لا نعرف من قدرها عند ربها ولا يعرفون، ومن مكانة تتسامى فوق السموات، وترتفع إلى الملأ الأعلى، بما كان لها من تعلق بالله دائم وإقبال عليه قائم، ومن تحبّب إليه بالفرض والنفل، ومن جهاد في سبيله بالنفس والمال والوقت والجهد والرجاء والدعاء والشفقة والخوف على الزوج والأبناء والأحفاد من نسبها الديني قبل الانتساب الطيني. وما أكثرها من ساعات الشفقة والخوف والرجاء والدعاء تلك !

أمُّنا هذه الحبيبة – زكّى الله روحها – أرادت مشيئة الله العلي القدير، وهذا البلد تملأه شهادة الزور والكذب على المسلمين، أن تشهد على ظلم المستبدين، وزيف الكذّابين، دعاة الفساد وحماة المفسدين، وأن تظهر لمن يرى بعين التبرير العمياء، وهي مقبلة على ربها وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى أحباب الله الكرام البررة من الصحابة والملائكة والأولياء الصالحين، وعلى الشهداء والقائمين من أهل البيت والعلماء العاملين، أن الظالم المتجبر مهما راوغ وتلوّن مفضوح في دنيا الناس قبل آخرتهم.

أمُّنا هذه الحبيبة – رضي الله عنها وأسكنها مع المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين – جعلها الله تعالى شاهدة بالقسط على جور المُدّعين حماية الدين، وأن ما فعلوه بتقدير من الملك الديان، ليس من الدّين، لترفع الغشاوة عن عيون وعيون، ولتشهد بلسان الحق والموت حق، أن الظلم ساعته قصيرة، وأن الملك لله العلي العظيم.

أمُّنا هذه الحبيبة – أحيى الله بموتها قلوب العباد – وهي بين الدنيا والآخرة، قالت كلمتها الحق الأخيرة، وشهدت وأكدت أن الجهاد عمل متواصل، وسعي دؤوب، وقومة واقتحام، وصحبة وجماعة وصدق وذكر وبذل وعلم وعمل وتؤدة ورفق ومحبة وقصد وتقرب إلى الله بالعمل الصالح: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون 1 .قوله تعالى وقل اعملوا خطاب للجميع. فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون أي بإطلاعه إياهم على أعمالكم. وفي الخبر: لو أن رجلا عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائنا ما كان) 2 . وعند البغوي: قيل رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بإعلام الله تعالى إياه، ورؤية المؤمنين بإيقاع المحبة في قلوبهم لأهل الصلاح) 3 .

أمُّنا هذه الحبيبة – نور الله قبرها – آية من آيات الله في الأرض، لم نرها رأي العين حتى تجلت لنا في ساعات من نهار بلاغ، أجابت عن أسئلة المآل والمصير، والعمل والجزاء والعقاب والجنة والنار، وأجابت في حياتها كما بين يدي مثواها الأخير عن الظلم والعدل، وعن الكذب والصدق ، وعن المكر والصفاء، وعن الخيانة والإخلاص، وعن العنف والرفق، وعن الشقاء والسعادة، وعن تصريف الله أقداره بين خلقه كيف يشاء، وأن الحياة معبر ليس غير.

أمُّنا هذه الحبيبة – ألحقها الله بحبيبها ورفيق دربها، ومربط أمنها – مثالٌ للوفاء والإخلاص وأداء الأمانة، نشهد والله يشهد، ويا أمة الإسلام اشهدي، ويا أهل الأرض والسماء اشهدوا، أنها بعزمة الأوفياء وهمة الأصفياء، وتصميم الأتقياء، قد أدت الأمانة وبلغت الرسالة، ووفت العهد، وأقامت العدل، وبلغت ولا نزكي على الله أحدا مراتب الإحسان، في دنياها وعلى مشارف آخرتها. فيا نعم ما أدت ! ويا نعم ما وفت ! ويا عظم ما قدمت ! اللهم فاشهد.

أمُّنا الحنون العطوف هذه أبانت قدرة الله أن مقامها عند الله عظيم، وأن منزلتها ما كانت لتبقى خافية على الناس، بل هي عالية تتسامى بها أعمالها ما ظهر منها وما استتر، فلا أقل أن تعرفها كل نفس لاهية، وعن ربها غافلة، ويعرف قدرها كل معاند وجاحد ومشكك وحاقد، وكل قريب حجبته حجب القرب، وكل بعيد صم آذانه البعد، فتحيى بإذن الله نفوس ونفوس، ويسأل عنها من كتب الله له أن يحيى قلبه، وتتنور خاتمته، وتتفتح بصيرته. وما ذلك على الله بعزيز.

أمُّنا هذه الحبيبة أكرمها الله بما لا نعرف من العطايا والمنح وأجلها عندها وعند كل محب لأهل الله، صحبة وليّ مرشد وارث عارف – رحم الله الإمام المجدد- أراد البغاة حصاره وحصار دعوته، فأظهر الله أمره، وقد أرادوا حصار زوجه، من صحبته وواسته وأنفقت ما لديها عليه، فكان أمر الله نافذا، وقضاؤه مبرما، أن حجب الفضائل لا يحق، وأن الله متم نوره…

والشاعر يقول:

وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت***أتاح لها لسان حسود

وقول الآخر:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة***وإن خالها تخفى على الناس تعلم

أمُّنا هذه الحبيبة – رزقنا الله محبتها وتقديرها ورضاها – أمدت الأقربين والأبعدين بحبها، وقد نهلت تلك المحبة َالصادقة َالغامرة من الله تعالى، فمن أحبه الله كتب له القبول بين أهل السماء والأرض، ومن رسوله فمن أحبه الله أحبه رسوله، ومن أهل الله وخاصته، ومن الذكر والتذكر ومن الرفقة الحسنة الطيبة، فأشاعت هذه المحبة بين أحبابها وأبنائها وكل منتسب إليها، وأراد الله أن تشيع وتشع بين الظهر والعصر في يوم من أيام الله الخالدة بين الأحياء والأموات.

أمُّنا هذه الحبيبة اصطفاها الله بفضله ومنه لتكون خير مدافع ومناصر ومواس في زمن قل فيه النصير وعز فيه الوفي، ونذر فيه الخير وكثر فيه الشر، وميز الله فيه بين أهل الحق وأهل الباطل، قال الله تعالى: أَفَمَن كَانَ مُؤمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لا يَستوونَ. وقال تعالى:أَم حَسِبَ الذِينَ اجتَرَحوا السّيئَاتِ أَن نَجعَلَهُم كَالّذِين آَمَنوا وَعَمِلوا الصَّالحَاتِ 4 . وقال تعالى: أفنجعَلُ الْمُسلِمِينَ كَالمُجرِمِينَ مَا لَكُم كَيفَ تَحكمُونَ 5 . وقوله سبحانه: أَفمَن وَعَدنَاه وَعداً حَسَناً فَهوَ لاقِيه كَمَن مَتعنَاهُ مَتاعَ الحَيَاةِ الدنيَا ثم هوَ يَومَ القِيامَةِ مِنَ الْمُحضَرين 6 .

أمُّنا هذه الحبيبة من شوقها لحبيبها قد كفاها من الدنيا زاد الراكب، وقنعت منها بما يبلغها صاحبها المحبوب، ولم تجالس الأغنياء، ولا الحكام، ولا ذوي السلط، ورضيت من الدنيا بقليلها المُبلّغ، وألزمت نفسها طاعة ربّها، فكان كما قالت عائشة فيما تحكيه عن نبي الرحمة والرفق: “إِن كنتِ تريدين الإِسراعَ واللُّحوقَ بي فَليَكْفِكِ من الدنيا كزاد الرَّاكب، وإِيَّاك ومُجالسةَ الأغنياء، ولا تَستَخلِقي ثَوبا حتى تُرَقِّعيهِ” 7 .

أمُّنا هذه الحبيبة وهي تاجٌ للفقراء والمستضعفين والمشردين والمظلومين، قد أماطت الأذى عن طريق المسلمين، تحنو على المرضى، وتأسو آلام العيش، وتهتم بأمر المسلمين، وتمنع من تبذير أموالهم، وتخريب ممتلكاتهم، وخيانة أمانتهم، وتعلم أن إماطة الأذى عن طريق الناس صدقة وقربى. فجزاها الله خير الجزاء عن الإسلام والمسلمين.

أمُّنا هذه الحبيبة – فتح الله لنا بذكرها – بشرتنا في ساعات حصارها الأخيرة، أن نصر الله قريب، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين، وأن مع الكرب فرجا عجيبا، وأن مع الحصار فتحا قريبا، وأن مع العسر يسرا.

أمُّنا هذه التقية النقية الزكية الولية الخفية، أظهر الله أمرها أمرا جليا، نيرا طيبا شاهدا عادلا ومحسنا، في ساعات جهاد واعتصام وانتصار وشهادة بالحق، على الرغم من كيد الكائدين. ولا عجب فالأخفياء يظهر الله أمرهم متى يشاء.


[1] سورة التوبة: 105.
[2] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج8/173.
[3] البغوي الحسين بن مسعود، تفسير البغوي ج4/ 93.
[4] سورة الجاثية: 21.
[5] سورة القلم: 35.
[6] سورة القصص: 61.
[7] رواه الترمذي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.