استووا، اعتدلوا..

Cover Image for استووا، اعتدلوا..
نشر بتاريخ

من منا لا يذكر عبارات إمام المسجد وهو يسوي صفوف الناس للصلاة ليؤمهم وقد اكتمل تراصهم واستواؤهم، ثم بعد ذلك يكبر تكبيرة الإحرام ويبدأ رفقتهم السفر الروحي العظيم والوقوف المهيب أمام حضرة ذي الجلال والإكرام.

استووا، اعتدلوا

يؤز بها الإمام صفوفا معوجة فتستوي ظواهرهم، لكن الأولى بالاستواء بواطنهم التي اضطربت عندما ابتعدت عن الفطرة السليمة، الأجساد متراصة كأنها جدار لن ينقض لكن تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، أن يستوي المقيم للصلاة معناها أن يكف يده عن الحرام، ويتورع عن بعض الحلال، ويزهد فيما يتسابق عليه الناس من صور الدنيا، وينزع إلى محراب الدعاء يتودد إلى ربه أن يدخله رحاب الأنس. كيف يقف بجسده شامخا وقلبه يلتوي على كل مفاتن الحياة؟ كيف يقف أمام الله عابدا ومعبوداته لا زالت تتزاحم في سره؛ حتى إذا ما سجد، سجدت معه كل تلك الصور إلا قلبه المسكين لا يجد له في موضع السجود مكانا. عفوك اللهم.

تراصوا

وهل المطلوب وضع المناكب على المناكب ومحاذاة الركب أم هو تراص من نوع آخر؟ مجتمع يغرق في كل أنواع الصور المتناقضة حتى النخاع، من أين له أن يتراص والهمم باردة والأفكار شوارد، أغنياء يستفردون بالمال والجاه ولا يزدادون إلا ثراء وفحشا، وفقراء يتعففون عن السؤال لكن رغيف الخبز أخرج ما كانوا يكتمون، وعلماء انمحى علمهم إلا من محفوظ يرددونه بأفواههم لا يجاوز حناجرهم إلا من رحم ربي، وآخرون يستعصون على التصنيف؛ فلا الكرامة عاشوها ولا الحرية نالوها ولا رفض الظلم استطاعوه ولا قول الحق تجرؤوا عليه ولا الذل أوقفوه.. أقوام لا يعرفون من أين الطريق.

تراصوا! عجبا… كيف يتراص هؤلاء والقلوب خواء! لطفك اللهم.

سدوا الفُرَج

ما أجملها من عبارة لو أن كلا منا تحرك لسد ثقب من هذه الثقوب التي نخرت جسد الأمة، وأعظم ما نخر وحدة المسلمين تطاحنهم في الشاذ من الأقوال وصمتهم المريب عما انتقض من عرى الإسلام، أريد للأمة أن تتلاشى وتنهار، وأن تموت ميتة لا تحيا بعدها أبدا، لكن الله استأمن على الدين رجالا إن تولوا استبدلهم وأتى بقوم آخرين يحبهم ويحبونه، وأوكل أمره لقلوب هممها تناطح السماء إن أرادت قلع الجبال قلعته، كل يقف على منبره ويأخذ كتابه بقوة، وما النصر إلا من عند الله، وإنما يخشى الله من عباده العلماء، وما كان لخير أمة أخرجت للناس أن تستقيل عن الدعوة لله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا كان لها أن تهجر الليل حيث يُلقى القول الثقيل ويُقوم القيل وينزل المدد من رب يسمع ويرى ويجازي عن الإحسان إحسانا ويثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في الدنيا والآخرة.

رحمتك اللهم.