إن لله لنفحات

Cover Image for إن لله لنفحات
نشر بتاريخ

مواعيدك مع الله مواعيد فرح وسعادة لا تحققها لك مواعيدك التي يجبرك عليها الخلق، يكفي أن تطوف بين نفائس تجليات أسمائه وصفاته عز وجل لترى بعيني قلبك كيف أنه يدعوك في سر السَّحَر أن تسأله فيعطيك، وتستغفره فيغفر لك، وتدعوه فيستجيب لك، يناديك “عبدي” متوددا، يحرسك بعينه التي لا تنام ويكنفك بكنفه الذي لا يرام، يتجلى عليك ربك في أروع لحظات يومك ليجدك ملتفتا عنه إلى خلق من خلقه أو في أحسن أحوالك نائما تداعب أحلامك. ما خطر ببالك أنه الله في عليائه يتجلى عليك، فكيف نسيء أدبنا في حضرته؟ وكيف نغفل عن موائد كرمه المبسوطة لكل من طرق بابه ووقف ملتزما الأعتاب؟ يكفينا مد الأيدي ورفع الأكف وذرف الدمع واليقين في أن كرم الله لا حد له.

هذا ما عند الله فكيف بك لو أردته هو، وطلبت وجهه، حتما سيكون لمناجاتك لون آخر، وستكون لوقفتك بين يدي مولاك سر من الجمال لا يفقهه إلا من داوم الوقوف  في الرحاب وفتح له الباب.

ما هي  إذاً هذه المواعيد المباركة؟ وكيف تحفظ بها روحك؟

القرآن الكريم

كلام الله المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ يحمل من الأسرار ما ينفتح لكل قلب بمقدار النور الذي يسكنه، هو ربك يخاطبك وكأنه لا يوجد في الكون غيرك، خطاب  يأسرك ويلامس خفاياك بدون استئذان، يرتب أوراقك التي تبعثرت ويجبر فلتات روحك، ملاذك قبل كل شيء وبعد كل شيء.

إن فرطت فيه أصابك الذبول وعلاك الشحوب وترامت عليك الأحزان من كل حدب وصوب، وإن أكرمته  أكرمك وكساك  ثوب السكينة وبسط لك  بساط الفرح. إن حبرته بصدق روحك وجمال صوتك ارتفع بك في الأعالي، وإن حفظته في صدرك  حفظك، لذلك اعلم أنه  أمانة بين جنبيك فلا تهجره، ومن الهجر العبث بمعانيه، واحفظه أن يحل بقلبك الهوى فيحاججك غدا يوم القيامة؛ لماذا تسترت بي وقد شغلتك خائنة عين قلبك عن حقيقة أن الله أعلم بالسر وأخفى؟ اتق الله ولا تجعل القرآن مطية لهواك.

الذكر

(الذكر منشور الولاية)، سل عنه المحبين يخبروك أنه معراج قلوبهم وحياضها، ومجمع شملهم ورياضها، به تستقي من عطاء الكريم الوهاب، فمن لا ورد له لا وارد له، ينتقلون من حياة إلى حياة،  فتربو في بواطنهم لطائف المنن الإلهية، وتشرق على ظواهرهم بوارق الكرم الربانية، قلب لا يذكر ربه يصلك رجع صداه  فراغا  كأنما تسمع جعجعة ولا ترى طحينا، بينما قلب موصول بالله، تعمره أسرار وأنوار وعطايا تتنزل عليه، يتجلى عليه ربه فيثبته  فلا تسمع له همسا.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما قال عبدٌ لا إلهَ إلَّا اللهُ قطُّ مخلِصًا، إلَّا فُتِحَتْ له أبوابُ السماءِ، حتى تُفْضِيَ إلى العرشِ، ما اجتُنِبَتِ الكبائر”. “لا إله إلا الله”، الكلمة الطيبة، مفتاح يخترق بك عوالم النور، أوصانا الحبيب بالإكثار من قولها، هذا التيسير النبوي عميق في سره  عجيب في تجليه؛ الذكر منك والجزاء من ربك في الوقت الذي يشاء وبالشكل الذي يشاء. به يتجدد إيمانك ومعه تتجدد همتك، فابحث عن قلبك وسط القلوب كما دعاك الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود  رضي الله عنه في قوله: “اطلب قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن، وفي مجالس الذكر، وفي وقت الخلوة، فإن لم تجده في هذه المواطن، فاعلم أنه لا قلب لك فسل الله قلبًا آخر”.

قيام الليل

قال تعالى في محكم تنزيله: تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ.

في ساعة التجلي الأعظم، قف مع أفواج المحبين المتلهفين  لموعد من نور يلبسون من بهاء جماله ويتدثرون بأنواره. هم المحبون؛ المشتاقون إلى جمال الجلوس بين يديه؛ الواقفون على أعتاب كرمه.  تتربع قلوبهم على عروش المحبة، تتملى بالبهاء وتتملأ من النور. ربك الودود يتجلى بفيض أنواره، هل من محب فليكثر البوح؟ هل من هائم أضناه الشوق؟ من ذا الذي ارتفع أنين روحه يرجو وجه مولاه؟

أيها الساكن إلى نفسه، اللصيق بسريره، الموعد موعد وصال، فاهجر فراشك واحزم الرحال، وأعلنها سفرة علوية، وتخلص من العلائق التي تشبك بقلبك، وامتط صهوة جواد شوقك، وتزود باليقين فإنه النور والنبراس لروحك، واغتنم  شهر الفرح والحبور لتتحرر من عجزك، وتعرض لنفحات الله في  معاش نهارك ومحراب ليلك، واقصد في سيرك، واصحب خليلا ينفض عنك وحشة الطريق، وأقبل على مصحفك تناجي به ربك، وادع مولاك أن يبلغك القصد ويلهمك كلمة التقوى ويلزمك بها.

الدعوة إلى الله

لكل قوم لسان يتقنونه، فبه خاطبهم، وإنها لعقبة تقتحم، دلهم على أن الموعد الله، وأن الموت حق وأن الآخرة مصير تقرره في الدنيا، ومسير تسعى إليه بخطوات متئدة، وأن أعز ما يطلب هو وجه الله، و أن القلوب المتحابة في الله  المتراصة في سبيل الدعوة إليه  تفيض عليها البركات وتحظى بالتأييد الرباني، ما لم تغشاها الأمراض الخفية  للنفس الأمارة. اعقد معاقد العزم على هجرة العوائد والتحرر من العلائق وحول سكناتك وحركاتك إلى دعوة بالحال قبل المقال، ولسان حالك قوله تعالى ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ.

هذه بضعة مواعيد، اجعلها لب سيرك وزاد سفرك إلى المولى، سفر تعانق فيه انعتاقا وتحررا من كثافة قبتك البشرية، هون الله عليك سفرك هذا وطوى عنك بعده، ودلك على منافذ الوصول إليك وصول المقربين المشمولين بجمال الأنس بين يديه، وأسكن قلبك في محاريب حبه وثبتها على صفاء النبض ومدَّ لها من عنده مدد النور لتهتدي به إليه.

اللهم دثرنا بدثار السكينة في عوالم الوصال، وثبتنا بسر لا إله إلا الله ونور الصلاة على الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه.