أيُّـها الـنّـاسُ: صِـلُـواْ أرْحـامَكُمْ

Cover Image for أيُّـها الـنّـاسُ: صِـلُـواْ أرْحـامَكُمْ
نشر بتاريخ
مومنات نت
مومنات نت

صلة الرحم خلق نبوي عظيم ومؤشر من مؤشرات النبل والشهامة والمروءة، وهي قبل أن تكون بابا تعبديا يرجو من خلاله المؤمن عفو ربه، هي من المشترك الإنساني، ومن خلاله يمارس الإنسان طبعه الاجتماعي إشباعا لحاجيات نفسية ووجدانية، من جهة، وتحصينا لنفسه وعرضه وماله من خلال الانتماء لعشيرة أو عائلة يستمد منها الدعم والحماية. يقول الحق سبحانه على لسان قوم شعيب في سورة “هود”: قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز (الآية: 91).

ولما كانت غاية الإسلام بناء مجتمع العمران الأخوي يحفظ للإنسان إنسانيته، ويـوفر شـروط التعاون على البر، ويـحمي المجتمع من التفكك والتشرذم والتقاطع والتدابر وآفة التناحــر، حضّ الإسلام ورغّــب في صلة الرحم بأقوى ما يكون الترغيب والتحفيز، وحذر بأبلغ ما يكون التحذير والترهيب من قطعها. وحسبنا من كتاب الله قوله جل وعلا في سورة “النساء”: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (الآية: 1)، وقولــه عــز سلطانه في سورة “الـــرعــد”: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (الآية: 23)، وقوله تبارك وتعالى في سورة “محمد”: فَهَلْ عَسَيْتُمُ إِنْ تَوَلَّيْتُمُ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ… (الآية: 23).

أما من السنة العطرة؛ فـنكتفي بقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري في صحيحه عن أمنا عائشة رضي الله عنها: “الرَّحِمُ شِجْنَةٌ، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ”؛ (والشجنة بضم الشين وكسرها هي القرابة المشتبكة)، وقوله صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: “لَـيْـسَ شَيْءٌ أُطِيعَ اللَّهُ فِيهِ أَعْجَلَ ثَوَابًا مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَلَـيــْسَ شَــيْءٌ أَعْجَلَ عِقَابًا مِنَ الْبَغْي وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَالْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلاَقِعَ” (سنن البيهقي وصححه الألباني).

واعتبارا لمحوريتها في نسج الأواصر الاجتماعية، فقد رتّــب الشرع الحنيف على صلة الرحم ثوابا وفضلا عظيمين، ومن ذلك:

– الوصل بالله تعالى: “قَالَ اللَّهُ: أَنَا اللَّهُ وَأَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِنَ اسْمِى فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَــتُّهُ” (رواه الترمذي في سننه).

– البركة في الرزق والعمر: “من سرَّهُ أن يُبسَطَ علَيهِ في رزقِهِ، ويُنسَأَ في أثرِهِ، فليَصِلْ رحمَهُ” (صحيح البخاري).

– مؤشر على صحة الإيمان: “… وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ…” (صحيح البخاري).

– الشهادة بالوصل يوم القيامة: “وكل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها تشهد له بصلة إن كان وصلها…” (صحيح البخاري).

– التعجيل بالثواب: “لَــيْسَ شَـــيْءٌ أُطِيعَ اللَّهُ فِيهِ أَعْجَلَ ثَوَابًا مِنْ صِلَةِ الرَّحِـــمِ…” (سنن البيهقي).

– دفْـــعُ ميتة السوء: “مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ وَيُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُدْفَعَ عَنْهُ مَيْتَةُ السُّوءِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ” (مسند أحمد).

– نشر التحاب بين مكونات العائلة والعشيرة: “تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الأَهْــلِ مَـثْرَاةٌ فِي الْمَالِ مَـنْسَـأَةٌ فِي الأَثَـــرِ” (رواه الترمذي وصححه الألباني).

وحيث إن بضدها تتحدد الأشياءُ، فعواقب قطع الرحم كما جلتها الأحاديث الــزاجـــرة كثيرة ومنها محق البركة أرزاقا وأعمارا، والتعجيل بعقاب الله تعالى، وفي الحديث: “ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم” (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه). وردُّ الأعمال؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّ أعمالَ بني آدمَ تُعرضُ كلَّ خميسٍ ليلةَ الجمعةِ فلا يُقبلُ عملُ قاطعِ رَحِمٍ”. وأعظمُ من ذلك كله أن قطع الرحم يمنع المرء من دخول الجنة، وفي الصحيحين أن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ” أي قاطع الرحم.

إن صلة الرحم عبادة كغيرها من العبادات تحول دونها عــوائـقُ نفسية واجتماعية، والموفق من وُفِّــق لاقتحام هذه العقبات، ومنها في زماننا هذا:

– تلاشي الأواصر العائلية والانكفاء على الأسرة النووية تحت ضغط متطلبات حياتية انتزعت الإنسان من عمقه العائلي.

– تسويف الزيارات وإرجاؤها بمبررات قد تكون في الغالب واهية إذا قورنت بثواب وفضل صلة الرحم.

– التماطل في تصفية الأمور المادية: الإرث مثالا.

– تجاهل أفراد العائلة في المناسبات الاجتماعية.

– فشل مشاريع الزواج والمصاهرة على مستوى العائلة.

– التكلف في الزيارات والمغالاة في الهدايا والاستضافات..

ولأنه على قدر العزم تأتي العزائم، وجب على طالب وجه الله تعالى، الراجي عفوه، الطامح لأعلى درجات القرب منه سبحانه، أن يُشمر على ساعد الجد ويقطع مع كل أسباب التثبيط والتسويف ليدشن عهدا جديدا مع رحِمه وذويه إن كان مقصرا، ويعلم أن الأمر تسابق للمغفرة ورضوان الله تعالى، فلا يرهن صلته لرحمه بموقف ذويه منه، بل يجب أن يسارع لصلتهم؛ وصلوه أو قطعوه. وفي الحديث: “لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِــــئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِى إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا” (رواه البخاري)، ذلك أن رد الزيارة عدلٌ كــردِّ السلام، والحرص عليها مع الانقطاع إحسانٌ. وفي التوجيه النبوي: “صِل من قطعك”. عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: “لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلاَ يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ” (صحيح مسلم). والمَلُّ: التراب وقيل: الرماد الحامي. ولـنا في نبي الله يوسف عليه السلام أنموذج سامٍ، كيف عامل إخوته بعد كل ما اقـتـرفـوه في حقه؛ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (سورة يوسف: 91، 92).

وختاما إن صلة الرحم قطب رحى منظومة أخلاقية اجتماعية، هي مفتاح لمشاكل عائلية تهدد أجيالا بانفصال نكد، إن لم تُــتخذْ مبادراتٌ لإصلاح ذات البين والتأسيس لمرحلة جديدة من التآلف والتواد بين أفراد العائلات؛ منظومة أخلاقية اعتُبرت في ميزان أمنا خديجة رضي الله عنها مجلبة للتوفيق الإلهي دافعة للخزي والبوار. قالت رضي الله عنها مواسية نبينا الكريم من هــوْل ما رأى في أول لقاء مع سيدنا جبريل عليه السلام: “أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتُـقري الضيف، وتعين على نوائب الحق”.

عبادات اجتماعية أسُّها صلة الرحم، ومنها يفيض الخير ليعم كل مستويات الرحم، رحم دم وقرابة تواسى بالسؤال والمواساة المادية والمعنوية والتفقد والحضور المنتظم في مناسبات العائلة أفراحا وأتراحا، وقرابة دين بالتهمم بالأحوال والنصرة والدعاء، ورحمٌ إنسانية سيرا في الناس، كل الناس بالكلمة الطيبة والوجه الباش والخدمة من غير سؤال والجوار الحسن.

أخلاق نبوية سامقة ليس مصادفة أن تكون صلة الرحم أولــها، فأحق الناس بالمعروف الأقرب فالأقرب، وتـتــســع الـدوائـــر صنـاعـــــة للمعروف لتعم الخلق أجمعين.

والحمد لله رب العالمين.