تمهيد

في السيرة النبوية الشريفة مواقف تربوية عملية عديدة تحتاج من الأمهات والآباء وسائر المربين وقفات للتأمل بقصد التأسي والاقتداء فالاهتداء إلى تربية علمية سليمة وناجحة تحفظ للنشء حقوقه المعنوية والمادية حتى ينجح في دنياه كما نجح المتميزون ويفوز في أخراه بالقرب كما فاز المقربون.

قال الله عز وجل: لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر وذكر اللّه كثيراً 1.

مفهوم الحاجة

يدل مفهوم الحاجة في علم النفس على “نقص في شيء ما” يولد لدى الطفل (الإنسان) شعورا بحرمان لا ينقص أو يزول إلا بالإشباع. وقد اتفق جمهور خبراء التربية أن بناء الشخصية السوية والمتوازنة للطفل لا يكتمل إلا بإشباع حاجاته النفسية الأساسية إلى جانب الحاجات الفسيولوجية كالطعام والشراب والنوم إلخ…

ومن هذه الحاجات النفسية:

أولا- الحاجة إلى القدوة الحسنة

لأن الطفل يتعلم عن طريق الملاحظة والمحاكاة ومن خلال تمثل “نموذج شاخص” كأسلوب تربوي أكثر فاعلية من توالي الأوامر الشفهية المسترسلة. ولأن (الأطفال ينظرون إلى آبائهم وأمهاتهم (وكل مربيهم) نظراتٍ دقيقةً فاحصةً، ويتأثَّرون بسلوكهم دون أن يدركوا! ورُبَّ عملٍ – لا يُلْقِي له الأبُ أو الأمُّ (أو المربي) بالاً – يكونُ عند الابنِ (والبنت) عظيماً) 2.

ومن الأمثلة النبوية على القدوة في العبادة أن ابن عباس – رضي الله عنهما – (وهو حينئذ طفل) قال: “بِتُّ عند خالتي ميمونةَ ليلةً، فقامَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – فلما كان في بعض الليل، قام رسول الله فتوضَّأ من شَنٍّ معلَّقٍ (السِّقَاء البالي) وُضوءاً خفيفاً، ثم قام يصلي، فقمتُ فتوضَّأتُ نحواً مما توضأَ، ثم جئتُ فقمتُ عن يساره، فحوَّلني فجعلني عن يمينِه، ثم صلى ما شاء الله” 3.

فالصلاة وذكر الله عز وجل وقراءة القران وتنظيم الوقت والاهتمام بالنظافة، والابتسامة الدائمة والتفاؤل وحسن الظن بالله تعالى وسلامة الصدر والتعود على القراءة والمطالعة وتحري الحلال وحفظ العهد والصدق وحسن الخلق في البيت وخارجه وسائر شعب الايمان والفضائل إن تمثلها الطفل في حياته اليومية يكون لها الأثر التربوي الكبير في تنشئته.

وقد بَلَغَ الصحابي الجلندي رضي الله عنه قبل إسلامه (وهو مَلِكَ عُمَانَ آنذاك) أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُوهُ إِلَى الإسْلامِ فقَالَ: (وَاللهِ لَقَدْ دَلَّنِي عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الأُمِّيِّ أَنَّهُ لا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ إِلا كَانَ أَوَّلَ آخِذٍ بِهِ، وَلا يَنْهَى عَنْ شَرِّ إِلا كَانَ أَوَّلَ تَارِكٍ لَهُ، وَأَنَّهُ يَغْلِبُ فَلا يَبْطَرُ، ويُغَلَبُ فَلا يَضْجَرُ، وَيَفِي بِالْعَهْدِ، وَيُنْجِزُ الْوَعْدَ، وَأَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيٌّ.

فقدرة الطفل على الالتقاطِ الواعي وغيرِ الواعي كبيرةٌ جدّاً، أكبرُ مما نظنُّ عادةً، ونحن نراه كائناً صغيراً لا يدرِك ولا يَعي) 4.

و“عن عبدِ الله بن أبي بَكْرَةَ – رحمه الله – قال: قلتُ لأبي: يا أبتِ، أسمعُك تقول كلَّ غَدَاةٍ: “اللهمَّ عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت”، تكرِّرُها ثلاثاً حين تصبحُ، وثلاثاً حين تمسي؟! فقال: يا بني، إني سمعتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – يدعو بهن، فأنا أحب أن أَسْتَنَّ بِسُنَّتِه” 5.

ومن مهمات القدوة الحسنة في تربية الطفل أنها تشبع رغبته في تقليد السلوك والعمل به وتسهل اقتناعه بالتوجيهات والمعاني المجردة بتمثلها في حياته اليومية. والقدوة الحسنة استمرار لنشر الخير ومكارم الأخلاق في أجيال الأمة.

طالع أيضا  الصلاة عـلى النبي صلى الله عليه وسلم (10)

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله محذرا: (فإذا لم ترضع الأم طفلها الإيمان مع الألبان، ولم يَقُد الأب خطى أبنائه الأولى إلى المسجد، ولم تلقن الأسرة كلمة التوحيد للصبي أول ما يلهج بالنطق، ولم يردد معه الأخ والعم والخال والمذرر آيات الله في غضاضة العمر، ولم تتعهده بالوصية الإيمانية القرابة والجوار، فقد فاته إبان الحرث) 6.

(فهذه الحشاشة الإيمانية يرثها الطفل من أبويه، يزيدها انتعاشة ما يبثه الأبوان في الشهر الأول والسنوات الغضة من خير) 7 . لأن (ذكريات الطفولة مؤسِسات للشخصية، (يجب أن) نربطها بالمسجد والقرآن، لا نترك المناسبات الاجتماعية تنسج ثوبها) 8.

ثانيا- الحاجة إلى الحب والحنان والرحمة

مما كشفته بعض الدراسات النفسية حول الطفل مثلا أن احتضان الوالدين لابنيهما واللمس على كتفه يزيد من ذكائه ونموه الطبيعي، ويعزز إحساسه بالفرح حيث تنتج مادة تدعى لاندروفين في الجسم وهي موصل عصبي يساعد على تخفيف العصبية والألم والقلق النفسي. لكون الاعتماد فقط على قواعد المنطق وأسلوب العقل في كل توجيهاتنا للطفل وحرمانه من حقه في الشعور بالحنان والعطف والحب الفياض الغامر المتدفق من قلوب الآباء الأمهات إلى أبنائهم أسلوب سالب في التربية.

فقد روى الحاكم في المستدرك بسند صحيح، “عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسل: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا””. وكان صلى الله عليه وسلم يأخذ أسامة بن زيد والحسن بن علي رضي الله عنهم فيقعدهما على فخذه كل على ناحية ثم يضمهما ويقول: “اللهم ارحمهما فإني أرحمهما”، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي “عن أبي هريرة أن الأقرع بن حابس رأى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقبل الحسن، فأخبر أن له عشرة من الولد لم يقبل أحداً منهم، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم: “من لا يَرحم لا يُرحم””، فاعتبر تقبيل الأبناء من مظاهر الرحمة بهم. فكلمة الحب ونظرة العطف وبسمة الحنان ولمسة الرفق وضمة الرحمة تشعرهم بالأمان والتقبل والثقة والقابلية للتجاوب ولا حصر لتأثيراتها التربوية الفعالة في نفسية النشء، والترهيب والصراخ والقسوة الدائمة والجفاف العاطفي تجاههم يدفعهم للهروب والكذب والعناد وعدم التوافق السلوكي في الكبر لا قدر الله.

طالع أيضا  مولد الهدى

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله منتقدا موجها: (ولغت البرامج التلفزيونية (وباقي وسائل الإعلام كالانترنت والألعاب الالكترونية وغيرها) في حرم الأسرة فزادتها تفكيكا وشكت خرطوم منوعاتها المبتذلة النجسة في أحشائها، وسرقت الأطفال من أمهاتهم وآبائهم وقتلت الوقت فلم يبق لواجب الاتصال الحميم بين الآباء والأبناء فرصة ليتصل حبل الفطرة) 9.

ثالثا- الحاجة إلى الاحترام وتقدير الذات

عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: “أُتِىَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسَّلم بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ أَصْغَرُ الْقَوْمِ وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ فَقَالَ: “يَا غُلاَمُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الأَشْيَاخَ”؟ قَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِفَضْلِى مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ” 10.

فما كان من المربي العظيم أن يكسر خاطر الطفل، ويهمل أحاسيسه البريئة، فاستأذنه أن يبدأ بمن هو أكبر منه (تقديرا لهم)، والطفل عن يمينه، والشيوخ عن يساره، والسنة البدء باليمين؛ لذا طلب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم رأي الولد في أن يبدأ بتقديم الماء للكبار؛ فأتاح له بذلك الاستئذان؛ فكان رد هذا الطفل بأن رفض التنازل عن حقه؛ ليفوز بشرف الشرب من يده الشريفة صلى الله عليه وسلم، فلبى طلبه.

فما أشدَّ حاجة أطفالنا اليوم إلى الاهتمام بوجهة نظرهم، واحترام رأيهم، وإتاحة الفرصة لهم لإبداء ما يجول بخواطرهم، فينبغي إشعار الأطفال بأهمية رأيهم حتى تكون لديهم شخصية قوية، وثقة في أنفسهم رفضا “للذهنيات الرعوية” التي هي من عقبات التغيير المنشود.

ومن تجليات الاحترام لشخصياتهم مصاحبتهم وإعطائهم حقهم في مجالسة الكبار فيتعلموا الرجولة واللباقة والأدب الحس الاجتماعي وحسن التواصل.

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُشعر الناشئة بمكانتهم وتقدير ذاتهم ويشعرهم بمكانتهم في الأسرة والمجتمع، ويتيح لهم الفرص ليعبروا، ويهتم كل الاهتمام بأقوالهم ويتفهمهم، فمن احتياجاتهم الأساسية: التفهم، والاحترام، والقبول. وهذه من أهم الأمور التي يحتاج إليها الطفل، نغفل عنها غالباً.

طالع أيضا  النبي المختار

يروي سيدنا أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن سعد بن مالك رضي الله عنه ممن استُصغِر يوم أحد (أي عدوه صغيرا)، يقول رضي الله عنه إن الرسول صلى الله عليه وسلم نظر إليه، وقال: سعد بن مالك؟ قال: نعم بأبي أنت وأمي. قال: فدنوت منه فقبّلت ركبته، فقال: “آجرك الله في أبيك”، وكان قد قتل يومئذٍ شهيداً. فقد عامله الرسول صلى الله عليه وسلم وعزّاه تعزية الكبار، وواساه في مصيبته بعد المعركة مباشرة.


[1] سورة الأحزاب، الآية 21.
[2] تربية الطفل في الإسلام: النظرية والتطبيق، د. محمد عبد السلام العجمي وآخرون، الطبعة الأولى، 1425هـ – 2004م، ص 95.
[3] أخرجه البخاري ومسلم.
[4] منهج التربية النبوية للطفل، مع نماذج تطبيقية من حياة السلف الصالح وأقوال العلماء العاملين، محمد نور بن عبد الحفيظ سويد، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، الطبعة الأولى، 1419هـ – 1998م، ص 90، 91.
[5] أخرجه البخاري في الأدب المفرد والنسائي في عمل اليوم والليلة.
[6] العدل: الإسلاميون والحكم، عبد السلام ياسين رحمه الله، ص 534.
[7] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، عبد السلام ياسين، ص 154.
[8] تنوير المؤمنات ج2، عبدالسلام ياسين، ص259.
[9] كتاب العدل، ص534.
[10] رواه البخاري.