الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وشفاء، كتابا تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله وصفيه وخليله، أدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.

أما بعد

من خلال مدارسة الآيتين النيرتين المنيرتين التي يقول فيهما الله جل علاه: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) 1 . نفصل في موضوع: تلاوة القرآن والصحبة، والارتباط بينهما.

مقدمات

قبل كل مدارسة قرآنية لابد من التعريج على سياق ورود الآيات، وارتباطاتها بالموضوع، فالآيتان الكريمتان وردتا في سورة الكهف التي لا يخفى فضلها ونورها، فقارئها كل جمعة يسطع له نور من أسفل قدمه إلى عنان السماء، يضيء له يوم القيامة، ويغُفر له ما بين الجمعتين ويحفظ بينهما من الفتن، والذي يحفظ منها عشر آيات يعصمه الله من الدجال، وقراءة خواتمها قبل النوم توقظ النائم في جوف الليل.

فاتحتها الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا 2 ثناء على الله، وحمده على أفضل النعم، نعمة الوحي الذي أنزل على عبد الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، نعمة القرآن القيم المعصوم من العوج، الذي من وظائفه الإنذار والتبشير.

وفيها أيضا قول الله تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا 3 ، الولي المرشد مفتاح الهداية.

وفيها قصة الصاحب والمصحوب، قصة صحبة سيدنا موسى لسيدنا الخضر عليهما السلام، وصحبة سيدنا يوشع لسيدنا موسى عليهما وعلى نبينا أزكى الصلاة والتسليم.

وفيها قصة ذي القرنين الذي استعمل سلطانه وماله لإعلاء كلمة الله.

وتقع الآيتان الكريمتان 27 و28 موضوع الدراسة بين قصة أصحاب الكهف أولئك الفتية الأمراء الذين تركوا الدنيا التي كانوا يملكونها بسعتها، وتحرروا من أسرها ومن سلطانها ومالها، ليهاجروا في سبيل الله ويهجروا قومهم الجاهلين، وبين قصة الرجلين صاحب الجنتين الظالم لنفسه الذي أطغاه ماله فظن أن دنياه لن تبيد أبدا، وأن ساعته لن تقوم، والصاحب الفقير الذي لم يمنعه فقره عن معرفة ربه الذي خلقه من نطفة ثم سواه رجلا، وعرف أن لا قوة إلا بالله العلي العظيم. وفي القصة عصيان الكفرة مع تقلبهم فى نعم الله، وطاعة المؤمنين مع مكابدتهم مشاق الفقر) 4 .

هاته السورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة حيث كان يجتمع بفقراء ومساكين السابقين الأولين من المهاجرين في البيوت الأرقمية، على طلب وجه الله بالإقبال على ذكره جل علاه، فرارا إلى الله من كيد وسياط المستكبرين من المشركين من صناديق قريش.

وسبب نزول هاتين الآيتين الفاضلتين، اشتراط فريق من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك مجالسة فقراء الصحابة من أمثال بلال وصهيب وياسر ليستمعوا له ويجالسوه صلى الله عليه وسلم. وَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

معاني التلاوة

يقول الله عز وجل: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ 5 يأمر الله عز وجل نبيه ويأمرنا بالتبعية بتلاوة الوحي من كتابه العزيز، والتلاوة تعني القراءة.

القراءة

قراءة الآية تلو الآية والسورة تلو السورة، أي العمل على ختم القرآن كما هي السنة النبوية، وسنة المهديين المتبعين، الذين كانوا يضربون من أول القرآن إلى آخرة كلما حلوا ارتحلوا، وكانوا يجمعون أهليهم على ختم القرآن كما اشتهر بذلك أنس بن مالك، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وقد جعل الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله من أعمال المؤمن في اليوم والليلة: الجلسة بعد صلاة الصبح إلى الشروق سنة. فذاك زمن مبارك يحافظ عليه المؤمن ما أمكن تلاوة، جزءا في اليوم بين صباح ومساء وذكرا وتعلما وحفظا) 6 .

وقراءة القرآن تقتضي المعرفة بأحكام القراءة والتجويد، والتدرب على إخراج الحروف من مخارجها، وكل ذلك لتلاوة القرآن كما أنزل وبالفصاحة اللازمة كما وصف الله قراءة المؤمنين لكتابهم يوم القيامة فأولئك يقرأون كتابهم 7 ، وتقتضي أيضا التأدب بآداب التلاوة؛ يقول الأستاذ المرشد حفظه الله: أفضل التلاوة ما كان في الصلاة فرضا، ثم نفلا في جوف الليل. وللتلاوة آداب مفروضة هي الطهارة التامة. والترتيل والتجويد والتغني بالقرآن وتحسينه بالصوت من المكملات. وعلى المومنات أنْ يتعلمن مخارج الحروف وأصوات الأداء كما حققها علماء القراءات الذين لولا نعمة الله عليهم بخدمة القرآن لتحول لساننا أعجميا ألْكنَ. جزاهم الله عنا خيرا) 8 .

الترتيل

ومن تمام التلاوة الترتيل، الذي يعني حسن النضد والتنسيق والاتساق، وهذا يقتضي تتبع معاني الآيات وهداية الكلمات في جملة القرآن بغير تعضيد وتجزيء، فالقرآن متسق كنسيج الرتيلاء التي ترتل بيتها بإتقان ونظام، فخيوطه مرتبط بعضها ببعض، فتمام الفهم يقتضي استقراء سائر الآيات الواردة في الموضوع الواحد، واستقراء الأنساق المفاهيمية والمعرفية المرتبطة بها.

ولا يحصل هذا إلا لمن يقرأ القرآن بقلب يقظ وعقل واع، ولمن استكمل أدوات الفهم من لغة وقواعد وأصول، وتلقف إشارات الله في قدره الواقع على حياة الناس والمجتمعات.

يقول الأستاذ المرشد: من آداب تلاوته وترتيله نبدأ، ثم نعظم كلام الله ونستحضر كلام مَن هو، ونقف مع آيات الوعد والوعيد، وننصرف بالكلية إليه تاركين الوساوس الدنيويـة، ونتدبر آيات خاطبت العقل، وأخرى توجهت إلى العاطفة، وأخرى ضربت الأمثال، وأخرى قصت أحسن القصص، وأخرى شرعت حدود الله، وأخرى حذرت من معاصي الله، وأخرى حملتنا إلى الآخرة لنشاهد نعيم الجنة وعذاب النار وهول الموقف. كل ذلك يا نفسُ موجَّهٌ إليكِ، أنتِ المعنية به لا غيرُكِ، وهو سبحانه أقرب إليكِ من حبل الوريد.)من المومنين من لا تسعفه الدمعة الخاشعة وإن كان القلب لينا، وقد يكون من المومنات من لا تسعفها الدمعة. لهؤلاء وصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا.”)هذا موكب الأنبياء عليهم السلام وصفهم الله عز وجل بالخشوع في قوله: “إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبُكِيّاً”. (سورة مريم، الآية: 58) هذا الأثر القلبي هو ثمرة التّلاوة والترتيل والاستظهار والتعظيم.)سيد هذا المقام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم طلب إلى ابن مسعود أن يقرأ عليه القرآن، فلما قرأ: “فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا” (سورة النساء، الآية: 41) التفت فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه تذرِفان. حديث متفق عليه. اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا) 9 .

الاتباع

ومن التلاوة الاتباع، قال صاحب مقاييس اللغة التاء واللام والواو أصلٌ واحد، وهو الاتِّباع. يقال: تَلَوْتُه إذا تَبِعْتَه). وقوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يَتْلونه حقّ تِلاوَتِه 10 معناه يَتّبعونه حقّ اتّباعه ويعملون به حق عمله. والاتباع جاء مفصلا في بعض الآيات منها: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ 11 فلا تكمل التلاوة إلا بالائتمار بأوامر القرآن والانتهاء عن نواهيه والتخلق بأخلاقه.

وتلاوة القرآن وتعهده

في لسان العرب: وهو يُتْلي بَقِيَّة حاجته أَي يَقْتَضِيها وَيَتَعهَّدها). عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “تَعَاهَدُوا الْقَرْآنَ فَوَ الَّذِيْ نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ (فِيْ عَقْلِهَا)” 12 .

لا مبدل لكلمات الله

قال الله تعالى: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ 13 . الله تعالى خص من الوحي في هذه الآية القرآن الكريم كتاب الله عز وجل، فلفظ الوحي يعم الرؤيا الصالحة والسنة النبوية والقرآن المجيد، وخصوصية القرآن أن الله تكفل بحفظه، فهو يبقى دائما المرجع المعتمد الذي يلجأ إليه عند الاختلاف أو الشك أو الاضطراب، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ 14 . يقول الأستاذ المرشد حفظه الله: إن القرآن الكريم كتاب الله فينا، كتاب هُدى ويقين، ونور، وحكمة، وتبيان، وتعليم، وبشارة، ونذارة، وتشريع، وبركة. هو حبل الله فينا) 15 . وليس قابلا للتبديل لقوله تعالى لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ 16 لأن أخباره صدق وأحكامه عدل قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 17 وأما النسخ فكان في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقبل تمام نزول الوحي، قال تَعَالَى: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ 18 وَقَال: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا 19 .

قال الله جل علاه: لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا 20 أي مكان يلجأ إليه من دون الله، ولا منجى من الله إلا إليه. قال تعالى: قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ 21 .

ولا ملجأ ولا مخرج من الغثائية وأمراض الأمة المزمنة إلا بالاعتصام بالقرآن، وحتى يكون حفظ القرآن، والعمل بالقرآن، وتعليم القرآن، والاحتفال بالقرآن، صلب التربية والتعليم) يقول الأستاذ المرشد: التحدي المستقبلي الثقيل في حق الدعوة هو حمل الرسالة لعالم متعطش (…) وهو تحدّ لا تقوم له الأمة إن لم يكن التحدي الفردي الذي يُهيب بالمومن والمومنة أن يتجردا من عبودية النفس والشيطان، وأن يتحررا من سلطان الهوى فيبرَآ من مرض الغثائية وداء الأمم وما ينجر إليهما من آفات، وينبريا تلبية لنداء “سابقوا” ليكونا من المقربين، من “إخواننا. )وهذا لا يأتي بحسن الظن بالنفس، وبالاستعلاء والاستغناء بما حصل للخطيب الشعبي في منبره، والمسؤول الميداني في تنظيمه. هذا يأتي بذكر الله. “ألا بذكر الله تطمئن القلوب”. يأتي بحزبك من القرآن لا تلهو عنه. يأتي بلزومك الجماعة في الصف الأول. يأتي بالاستغفار والتفكر الدائم مع أولي الألباب “الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم.) 22

واصبر نفسك

مما أوحى إلينا ربنا وأمرنا بتلاوته قوله تعالى: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه 23 ؛ مفتاح القرآن التلاوة، والتلاوة طريق الهداية، ومفتاح الهداية الصحبة، ومفتاح الصحبة صبر النفس، هذه النفس التي تطوع الإجرام وتسول الشرك دواؤها صبرها مع الذين يدعون ربهم، هذه النفس الأمارة بالسوء علاجها صبرها مع الذين يريدون وجه الله، هذه النفس اللوامة سكينتها ذكر الله بالغداة والعشي.

ومعنى صبر النفس حبسها وتعويدها مجالسة المؤمنين المفتقرين إلى ربهم. وتخصيص الغداة والعشي لفضلهما لأنهما أطراف النهار، ويصح أن يكون ذكر هذين الوقتين المقصود به مداومة العبادة، وإلى هذا المعنى أشار الآلوسى بقوله أي : يعبدونه دائما. وشاع استعمال مثل هذه العبارة للدوام. وهي نظير قولهم: ضرب زيد الظهر والبطن. يريدون به ضرب جميع البدن. 24

الحجب المانعة من التلاوة

قال تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا قال القشيري: أي شغلناهم حتى اشتغلوا بالنعمة عن شهود المنْعِم. ويقال: الغفلةُ تزجيةُ الوقتِ في غيرِ قضاءِ فَرْضٍ أو أداء نَفْلٍ. ويقال هم الذين طوَّح قلوبَهم في التفرقة، فهم في الخواطر الرَّدِيّة مُثْبَتُون، وعن شهود مولاهم محجوبون. ويقال: أغفلنا عن ذكرنا الذين ابْتُلُوا بنسيان الحقيقة لا يتأسَّفُون على ما مُنُوا به ولا على ما فَاتَهُم). 25

هؤلاء الغافلون ابتلوا بنسيان حقيقتهم ونسوا الله، وهؤلاء الذين لا يرجون لقاء الله همهم الصد عن تلاوة القرآن والآيات، ويودون أن تتبدل لتوافق هواهم، قال الله جل علاه: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي 26 . قاوم العرب في عهد الرسالة التنزيل وصاحب الرسالة بكل وسائل المقاومة. ومن أهمها منعهم العرب من الاستماع لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم التي كان لبها وأسلوبها تلاوة الآيات البينات. وآذوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما اتخذ في حوش بيته مجلسا يتلو فيه القرآن فيجتمع أبناء العرب ونساؤهم ليستمعوا التلاوة. وقد أخبر الله عز وجل عن ذلك حيث قال: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} (سورة فصلت، الآية26) (…) أولئك العتاة الأولون قاوموا وقعه المباشر بالحجز الساذج المباشر كما فعل قوم نوح من قبل حين غطوا آذانهم بالأصابع وغطوا وجوههم بالثياب فَعْلة مجتمع طفولي. قال نوح عليه السلام كما حكى الله عز وجل عنه: {وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا}. وفي هذا العصر عتاة تدفعهم للإنكار نفس النية، ويدفعهم الاستكبار، لكنهم يصمون آذانهم وآذان الناس عن السماع والاستماع بوسائل متطورة هيأها المجتمع المتحضر. إنهم يجعلون بين الناس والقرآن حجابا كثيفا اسمه “التراث”. قرأت لمستغرب مستشرق، واحد من الأساتذة الأكادميين المتخصصين في دراسة “التراث” حين سألوه : “كيف تفهم الإسلام؟” فأجاب متعجبا بما معناه “كيف تريد مني أن أفهم الإسلام قبل أن أقرأ كل ما كتب عن الإسلام؟!” هذا وأمثاله ينصبون أمام أنفسهم حاجزا هائلا من إنتاج البشر يتقون به الحق، يحتجبون وراءه لكي لا يسمعوا كلام الله من حيث هو كلام الله. إنما القرآن عندهم نص من النصوص بحاجة إلى أن “يعيدوا قراءته” مستندين إلى المناهج اللسانية البنيوية التي تؤسس لهم فهما تشككيا عدميا يذيب النص المقروء في غيابات اللاأدرية المطلقة. هذا هو الأسلوب العصري من آخر طراز لذلك الموقف الكفري الخالد، موقف جعل الأصابع في الآذان، واستغشاء الثياب، والإصرار والاستكبار. لولا أن هؤلاء أصابعهم من صنع أنفسهم لا هذه الأصابع الحسية، وثيابهم ألوان من “المعارف” والمناهج والفلسفات، وإصرارهم واستكبارهم معه المنصب الجامعي، والاطلاع الموسوعي والمؤلفات والحيثية المرموقة في الأوساط الاستشراقية. عرب الجاهلية أذعنت منهم الفطرة القريبة لبلاغة القرآن وبقي القلب مطبوعا عليه، أما هؤلاء فسرابيلهم “المعرفية” وأكداس المفاهيم والمعطيات من مكتسبات العصر في مجالات “العلوم الإنسانية” غطت فيهم حتى بقايا الفطرة والعياذ بالله السميع العليم.) 27

هؤلاء هم الغافلون الذين نهانا الله عن طاعتهم حتى لا يصير أمرنا فرطا؛ فرطا بمعنى التفريط في تمام الاتباع والتخلق والطاعة، وبمعنى الإفراط في اتباع الهوى وإرادة الدنيا والاعتداد بالجاه والسلطة والمال كما فعل أولئك الذي أبوا مجالسة بلال وصهيب وياسر، وبمعنى الشتات والتفرق وإن كان هذا المعنى في اللغة محدثا ولكن يصدقه قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: “مَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الآخِرَةِ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَشَتَّتَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَلاَ يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلاَّ مَا كُتِبَ لَهُ” 28 .

القرآن والصحبة

وجمع الله عز وجل في هاتين الآيتين الأصلين العظيمين الذين أمرنا الله بالتمسك بهما الكتاب والسنة، السنة التي انتقلت إلينا بالمجالسة والمشافهة والمصاحبة والمحبة، انتقلت إلينا وراثة من كابر عن كابر.

وعلاقة القرآن بالصحبة هي علاقة القرآن بالإيمان، وعلاقة القرآن بالنبوة منذ نشأة الرسالة إلى قيام الساعة، فقد مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 29 فبعد صحبة الصحابة المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد لقاء رجال الدعوة ورثة الأنبياء والاستئناس بهم ومحبتهم التي تجر إلى الإيمان، يأتي ذكرُ الله عز وجل، “فيتمُّ التفاعل بين عامِلَيْ التربية الإيمانية الأساسيين. ويتجدد إيمان العبد الصادق بالإكثار من ذكر لا إله إلا الله حتى يستنير القلب، وتزولَ قساوتُه، ويوقى شُحَّه، فيتأهلُ لتلقي كلام الله عز وجل بالسماع الخاشع والنية التنفيذية. كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول لمُسْلِمَةِ الجيل التابع: أوتينا الإيمان قبلَ القرآن، وأنتم أوتيتم القرآن قبل الإيمان، فأنتم تنثرونه نثر الدقل). أي ترمونه رمي التمر الحشف اليابس 30 .

من يقرأ القرآن بدون استعداد إيماني قلبيِّ فإنه لا يجد إلا كلاما كالكلام. إن كان عربيا قُحّاً أخذته فصاحةُ القرآن المعجزة، وبلاغته وبيانُه. فإن كان من أعجام اللسان والقلب فإنما هو جرْيٌ على سطح الحَرْفِ القرآني. ويَهدي الله من شاء أن يشرَح صدره للإسلام حتى بهذه القراءة. إن الله على كل شيء قدير) 31 .

ومما يؤكد معنى الصحبة مفتاح التلاوة) الحديث النبوي الذي رواه أبو داود رحمه الله بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تبارك وتعالى، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده”. لتلاوة القرآن بالتعظيم والإقبال نور، وأما تلاوتها مع الاجتماع مع المؤمنين/صحبة المؤمنين، في بيت الله/المكان المحترم، مع التلاوة/التعبد، والمدارسة/إشراك العقل للانتقال إلى التنفيذ، فهذا عرس تحفتل به السماء.

ونستخلص درس: الصحبة مفتاح التلاوة) من تجربة أبي حامد الغزالي رحمه الله الذي اكتشف بعد أن أصبح حجة الإسلام أن لا خشوع له في الصلاة ولا حضور في تلاوة، وحين وقع على طبيب دائه وصيدلية دوائه المصحوب المتبوع المقدم سأله: هل أواظب على تلاوة القرآن؟ فمنعه فـكيف يقبل العقل أن يمنع مؤمن مؤمنا من قراءة القرآن والمواظبة على التلاوة؟ أم كيف نفهم قَبول حجة الإسلام عالم بغداد توجيها من هذا القبيل؟ أم كيف نعقل بادئ الأمر أن يسأل أمثال أبي حامد هذه المسألة: هل أواظب على التلاوة؟)إن إسلاس القياد لولي مرشد يدلك على الطريق شرط في السلوك. وما كان لولي أن يأمر إلا بحق. وما منعه من المواظبة على التلاوة إلا بغية أن يهيئه بتصفية القلب بالذكر، حين يعم قلبه الإيمان ويعقل قلبه القرآن، لمرحلة تكون فيها المواظبة على التلاوة عبادة كاملة. وهاك الدليل. روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:)“يا رسول الله، إني أقرأ القرآن فلا أجد قلبي يعقل عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قلبك حشي الإيمان، وإن الإيمان يعطى العبد قبل القرآن”.) 32

وفي الأخير نستمع إلى الأستاذ المرشد يقول: كنتُ حين استوحشت من الدنيا عِفْتُ نفسي وطار لُبّي في طلب الحق عز وجل. اخْشَوْشَنْتُ وانقبضت وانصرفت للعبادة والتلاوة والذكر آناء الليل وأطراف النهار. فلما منّ علي الحنان المنان له الحمد والثناء والشكر بلقاء شيخي رحمه الله وجدت أنْساً ورحمة وطلاقة وبشرا وفرحا بالله. ما كنت أتصور مدة انقباضي و”أزمتي” وبحثي أن من شأن مريد صادق أن يضحك، ولا أن يلتذ بطعام وشراب، ولا أن يستقرّ به فراش وينعم بنوم). 33


[1] سورة الكهف، الآيتين 27 و28.\
[2] سورة الكهف الآيتين 1 و2.\
[3] سورة الكهف، الآية 17.\
[4] روح المعاني للألوسي، ج15، ص273.\
[5] سورة الكهف، من الآية 27.\
[6] المنهاج النبوي ص54.\
[7] سورة الإسراء، من الآية 71.\
[8] تنوير المؤمنات ج1 ص 364.\
[9] تنوير المؤمنات ج1 ص364.\
[10] سورة البقرة، من الآية 121.\
[11] سورة العنكبوت، من الآية 45.\
[12] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\
[13] سورة الكهف، من الآية 27.\
[14] سورة الحجر، الآية 9.\
[15] تنوير المؤمنات، ج1، ص363.\
[16] سورة الكهف، من الآية 27.\
[17] سورة الأنعام، الآية 115.\
[18] سورة النحل، من الآية 101.\
[19] سورة البقرة، من الآية 106.\
[20] سورة الكهف، من الآية 27.\
[21] سورة الجن، الآيتين 21 و22.\
[22] كتاب العدل ص 70، 71.\
[23] سورة الكهف، من الآية 28.\
[24] روح المعاني، ج15، ص262.\
[25] لطائف الإشارات، تفسير قول الله تعالى: (أغفلنا قلبه) (سورة الكهف، من الآية 28).\
[26] سورة يونس من الآية 15.\
[27] الإسلام والقومية العلمانية، ص15.\
[28] الهيثمي في مسنده (الزوائد) ج 2/ ص 983 حديث رقم: 1092.\
[29] سورة آل عمران، الآية 164.\
[30] رواه الحاكم رحمه الله وصححه. واختصرناه.\
[31] إمامة الأمة، ص163.\
[32] الإحسان 1 ص53.\
[33] الإحسان1 ص121.\