احتلت الفرجة في الأعمال المسرحية والدرامية مكانة متميزة لأنها الأساس الذي يدور عليه العمل المسرحي، والمطمح الذي يصبو إليه كل فنان، ممثلا ومخرجا ومؤلفا. يسعى إليه الحكواتي والأراجوز، وصاحب خيال الظل، وكذلك كانت تسعى إليها الأشكال الفرجوية (الحلقة، والبساط، وسلطان الطلبة وعبيدات الرمى) 1 وتنشدها المغنيات في النزه والعرصات في أدائهن لأغان تسمى العروبيات. 2

من معاني الفرجة: الانفراج؛ وهي نقيض الكبت ونقيض التأزم. والفرجة هي الخلوص من الشدة. وهي اسم لما يتفرج عليه من الغرائب، وهي المشاهدة أيضا. وقد ذكر الأزهري أن الفرجة تعنى الراحة من الغم) 3 وعليه فالفرجة تحمل معنى البسط في مقابل القبض.

ويمكن أن نتحدث عن الفرجة من منظور إسلامي انطلاقا من الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: “وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب. فإمّا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإمّا قال: “تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم. فأقامني وراءه، وخدي على خده، وهو يقول: “دونكم يا بني أرفدة” حتى إذا مللت قال: “حسبك؟ قلت: نعم. قال: “فاذهبي”” 4 .

من خلال هذا الحديث يتبين لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض على أمنا عائشة رضي الله عنها أن تنظر (تشاهد) إلى لعب الأحباش داخل مسجده الشريف، في إطار عرضهم الجماعي، يتم فيه اللعب بالحراب، ولم يكن قتالا حقيقيا بالطبع، وإنما كان عرضا فنيا، فلفظة “اللعب” هنا تشير إلى ذلك، تشير إلى الاستعراض والتدريب والمران الحربي. كما تشير إلى أنه عرض يدخل البهجة على القلوب بدليل “تشتهين”، ويجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، الراعي للعرض كما سنرى يقترح على أمنا عائشة تمكينها من متابعته، بعد أن لاحظ رغبتها في مشاهدة العرض “تشتهين تنظرين”. فرسول الله صلى الله عيه وسلم لم ينكر على بني أرفدة، وهو لقب للحبشة 5 ، لعبهم الذي يزيد الإيمان ويرفع من قدر الإنسان، ولا ينقص من قيمته، فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليساعد زوجه على حضور عمل ينقصها في دينها 6 .

وقد تضمن هذا المشهد في المسجد النبوي ثلاثة عناصر أساسية تدخل في الفرجة، وهي: العرض (لعب الأحباش) والعارض (الأحباش) أو(الحبشية التي ترقص)، والمتلقي/ الجمهور (رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها) إضافة إلى الحاضرين بالمسجد من المسلمين. كما نلاحظ أن المتلقي عائشة التي عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو التمست ذلك منه تمثل جنس الإناث، وممن قام بالعرض/ اللعب امرأة كما سيأتي في الحديث بعده. ومما يؤكد على أنه عرض فني ما جاء في رواية النسائي من طريق يزيد بن رومان عنها “سمعت لغطا وصوت صبيان، فقام النبي – صلى الله عليه وسلم – فإذا حبشية تزفن – أي ترقص – والصبيان حولها فقال: يا عائش، تعالي فانظري” ففي هذا أنه ابتدأها، وفي رواية عبيد بن عمير عنها عند مسلم أنها قالت للاعبين: “وددت أني أراهم” ففي هذا أنها سألت، ويجمع بينهما بأنها التمست منه ذلك فأذن لها، وفي رواية النسائي من طريق أبي سلمة عنها دخل الحبشة يلعبون، فقال لي النبي – صلى الله عليه وسلم – يا حميراء أتحبين أن تنظري إليهم؟ فقلت: نعم… ولأحمد والسراج وابن حبان من حديث أنس أن الحبشة كانت تزفن بين يدي النبي – صلى الله عليه وسلم – ويتكلمون بكلام لهم، فقال: ما يقولون؟ قال يقولون: محمد عبد صالح. 7 وما كان رسول الله ليبيح في العيد ما هو حرام في غيره. 8 فالحبشة كانوا يرقصون بين يدي النبي، يقدمون عروضا فنية، لا إنكار من لدن النبي صلى الله عليه وسلم لها، بل شجعهم على ذلك باستعماله صلى الله عليه وسلم العبارة الرقيقة: “دونكم يا بني أرفدة”. وطلب من عمر رضي الله عنه أن يدعهم في لعبهم، كما في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: “بينما الحبشة يلعبون عند رسول الله عليه وسلم إذ دخل عمر بن الخطاب، فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “دعهم يا عمر”” 9 .

وقد أورد ابن الجوزي في كتابه أخبار الحمقى والمغفلين جملة أخبار مأثورة تبين دعوة كبار الأئمة إلى ترويح القلوب والتسلية عنها، من ذلك قول علي كرم الله وجهه: روحوا القلوب واطلبوا لها طرف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان)، وعن أسامة بن زيد قال: روحوا القلوب تعي الذكر). وعن الزهري 10 قال: كان رجل يجالس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحدثهم فإذا كثروا وثقل عليهم الحديث قال إن الأذن مجاجة وإن القلوب حمضة فهاتوا من أشعاركم وأحاديثكم). وعن ابن زيد 11 قال: قال لي أبي: إن كان عطاء بن يسار 12 ليحدثنا أنا وأبا حازم 13 حتى يبكينا، ثم يحدثنا حتى يضحكنا، ثم يقول مرة هكذا ومرة هكذا. وروي عن ابن عائشة 14 أحاديث ملاح في بعضها رفت، وإن رجلا قال له: أيأتي من مثلك هذا؟ فقال له: ويحك أما ترى أسانيدها؟ ما أحد ممن رويت عنه هو أفضل من جميع أهل زماننا، ولكنكم ممن قبح باطنه فرأى ظاهره، وإن باطن القوم فوق ظاهرهم… وفي أفراد مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لأكلمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله يضحك، قال: قلت لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألتني النفقة فوجأت عنقها؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم). ووصف رجل من النساك عند عبيد الله بن عائشة، فقالوا هو جد كله، فقال: لقد أضاق على نفسه المرعى، وقصر طول النهى. وعن الأصمعي 15 قال: سمعت الرشيد يقول: النوادر تشحذ الأذهان وتفتق الآذان 16 .

طالع أيضا  الأدب تربية

وهكذا يظهر لنا أن علماء الأمة وصلحاءها كانوا يحبون المباح من اللهو، وتنشرح له صدورهم، وهذا يكسب النفوس نشاطا للجد، يقول أبو نواس:

أروّح القلب ببعض الهزل *** تجاهلا مني بغير جهل أمزح فيه مزح أهل الفضل *** والمزح أحيانا جلاء العقلكما أورد اليوسي في محاضراته أنه حضر في مراكش حلْقة ألقى فيها أحد أصحاب الفرجة عرضا ذكر فيه الفرق بين الأطعمة عند كل من الفاسي والمراكشي والدراوي… 17 مما جعله يستحسن العرض ويعجب به لبراعة الرجل في إلقاء العرض وإتقانه.

وإذا عدنا إلى الشكل ما قبل مسرحي المغربي: عبيدات الرمى نجد أن ما يجمعه مع لعب الأحباش بالحراب والدرق، هو موضوع الحرب والقتال، على اعتبار أن ظاهرة عبيدات الرمى ترجع إلى الماضي الغابر، المطبوع بحروب القبائل على الكلأ والماء والأرض، “فعبيدات الرمى” جنود في الأصل، مهمتهم إلقاء السهام والحجارة وإطلاق البارود على العدو إلا أنها كشكل فرجوي ترتبط بحلف “الطوايط” 18 .

كما أن للحلقة إضافة إلى ما تحققه من فرجة للمتلقي، وظيفة تعليمية تجلت في تمكين الناس – وأغلبهم من الأميين – من بعض المعارف عبر وسيط الحلقة الراوي للسير والأخبار والغزوات، أو المنشد والمدّاح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو الثنائي الهزلي 19 ، إلى غير ذلك ممن يتعاقبون على الساحات المشهورة في فاس ومراكش وغيرهما، وهي أفضية عامة مفتوحة في وجه مختلف شرائح المجتمع.

ولجأ بعض سلاطين المغرب إلى الاحتفالية المعروفة بـ”سلطان الطلبة”، كوسيلة لاحتواء الطبقة المثقفة، والتنفيس عن الطلبة، تفاديا لما قد ينتج عنه وعيهم المتزايد بالحقوق، وتطلعهم نحو السلطة، ووقوفهم المشروع ضد الظلم. فكان تنصيب “سلطان” من اختيار الطلبة لمدة أسبوع يمثل خلاله الطالب المختار دور السلطان وما يصاحب ذلك من احتفال وفرجة.

طالع أيضا  الأدب جهاد

إلا أن هناك ضوابط شرعية للفرجة، وكيف يجب أن تكون موافقة للسنة، ومزايلة لما عليه محترفوها من تعريض وسخرية واستهتار بالقيم والفضائل ونعت للناس بما يكرهون، والكذب عليهم، فقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلساءه يهوي بها أبعد من الثريا”. 20 وفي قوله صلى الله عليه وسلم: “ويل للذي يحدث الناس، فيكذب ليضحك الناس” 21 . 22

والمتمعن في الحديث يلاحظ أن مكان العرض كان هو مسجد 23 رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك لم ينقص من حرمته، وأن ما تم عرضه لم يكن حسب بعض الرويات تدريبا على القتال فقط، وإنما هو فرجة ورقص واحتفال، لنخلص إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أجاز الاحتفال في مسجده ومكن زوجه رضي الله عنها من مشاهدة ذلك، تأكيدا على أن الفرجة لا تتعارض مع دين الله الذي جاء رحمة ورفقا وفيه للناس فسحة، لكن وفق ضوابط تحترم الآخر وتقدره، فلا خير في فرجة بعدها الإثم والنار.


[1] أشكال ما قبل مسرحية في المغرب.\
[2] الفاسي محمد، معلمة الملحون، ج1 ، ص: 112.\
[3] النووي يحيى بن شرف الدين، شرح صحيح مسلم.\
[4] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد، رقم الحديث: 907.\
[5] ياسين عبد السلام، إمامة الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط 1، 1430ه-2009م، ص: 52.\
[6] نفسه، الصفحة نفسها.\
[7] العسقلاني ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار ريان للتراث، ص: 515-516.\
[8] ياسين عبد السلام، إمامة الأمة، ص: 53.\
[9] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العيدين.\
[10] تابعي من أهل المدينة أول من دون الحديث من كبار الحفاظ الفقهاء. توفي سنة 124ه.\
[11] توفي سنة 182ه.\
[12] عطاء بن يسار المدني فقيه روى عن كبار الصحابة، توفي سنة 103ه.\
[13] أبو حازم عالم المدينة وشيخها، توفي سنة 140ه.\
[14] عبيد الله بن عائشة، عالم بالحديث والسير من أهل البصرة توفي سنة 228ه.\
[15] الأصمعي عبد الملك بن قريب راوية العرب واحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان ، توفي سنة 216ه.\
[16] ابن الجوزي عبد الرحمن، أخبار الحمقى والمغفلين، دار الفكر اللبناني، ط 1، 1410ه-1990م، ص: 15-18.\
[17] اليوسي أبوعلي الحسن، المحاضرات في اللغة والأدب.\
[18] بالاخضر منير، علاقة المسرح بالأشكال الفرجوية المغربية. بحث لنيل الإجازة بفاس، 2005-2006.\
[19] كان أغلب هؤلاء الحلايقية يجالسون العلماء والفقهاء في القرويين ويأخذون عنهم معارفهم، كما كان كتاب الملحون ومنشدوه يجالسونهم ليأخذوا عنهم العلم والفقه.\
[20] رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة، كتاب الحظر والإباحة، باب ما يكره من الكلام وما لا يكره.\
[21] أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والدارمي والروياني في المسند والطبراني، بلفظ: “ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب ويل له ويل له”.\
[22] نفسه، ص: 19.\
[23] قد يتبادر إلى ذهن القارئ أن هذه الإشارة تحيل على نشأة المسرح اليوناني حول الطقوس الدينية الوثنية، لكن الاختلاف بيّن بين المرجعيتينن، فليعلم.\