مدخل

الأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع، إذا صلحت صلح المجتمع كله وإذا فسدت فسد المجتمع كله، والشباب أحد ركائز هذا المجتمع الذي أصبحت قضيته من أهم القضايا التي تستوجب التخطيط والعمل المنهاجي، لتكوين شخصية مستقبلية قادرة على البذل والعطاء. وللوالدين في مرحلة الشباب الأثر الأكبر في بلورة سلوك الشاب سلبا أو إيجابا، يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: “مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ” 1 فنوعية التربية أو الفكر التي يتم تلقينها للشباب تبقى مطبوعة على شخصيته.

وما أحوجنا اليوم في علاقتنا مع شبابنا إلى الرجوع لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أبنائه وأحفاده حيث كان مربيا ومعلما وناصحا أمينا يُحاور من حوله بالحكمة المبنية على الإقناع والحوار التربوي الرصين.

نص الحديث

ومن أجمل الأمثلة التي أبدع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إظهار أسلوب التربية بالحوار حديث أبي أمامه الذي قال فيه: “إن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ائذن لي بالزنا فأقبل القوم عليه فزجروه قالوا مه مه فقال: ادنه فدنا منه قريبا قال فجلس قال أتحبه لأمك قال لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك، قال لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال أفتحبه لأختك، قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال أفتحبه لعمتك: قال لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك، قال لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء” 2 .

وقفات تربوية مع الحديث

هذا الحديث يضع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسس الكبرى التي تنبني عليها صناعة الشبيبة المؤمنة الفاعلة في المجتمع والمؤثرة فيه، وقد تجسدت هذه الأسس التربوية في مختلف القواعد التي مثلتها أفعاله وتصرفاته وكلماته المضيئة، في تعامله مع هذا الشاب، فقد يخطئ الوالدان عندما يضنان أن التربية صرامة وحزم مع الشباب أو تسيب دون حساب، وإنما التربية احتضان وحوار وفهم وامتلاك القدرة على التوازن بين مراحل الطفولة وبين التربية الدينية المبنية على أساس الرفق والصبر وحسن الاستماع… ويمكن تلخيص هذه الأسس فيما يلي:

1- الرفق والإحساس بالأمان

قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ 3 ، هذه الرحمة القلبية هي التي جعلت هذا الشاب يتجرأ على النبي ويفصح له عن مشكلته دون خوف أو حياء، فكان خلقه صلى الله عليه وسلم الرفق والحلم أثناء حواراته المتنوعة والمتعددة، فاستطاع أن يجذب قلوب الشباب إليه بالرفق والحلم وإشعارهم بالأمن والأمان، فأول وسيلة من وسائل تربية الشباب تحسيسهم بالرفق والأمن الذي يتيح لهم أن يناقشوا مشاكلهم بأريحية دون خوف أو خجل.

2- التواضع والصبر

كان صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة الذي يحتذى به في احترام الآخرين وخفض الجناح لهم، مهما اختلفت درجاتهم وألوانهم وأجناسهم، وذلك امتثالاً للأمر الإلهي وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ 4 . فكان يحاور الصغير قبل الكبير، يزرع الثقة بينهم ويصبر عليهم، يحب الشباب ويتحبب إليهم ويحرص على سعادة الآخرين، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ” 5 .

فالحوار النبوي مع الشاب لم يكن فيه ما يدل على ترفع نفسية الرسول صلى الله عليه وسلم وتعاليه على الآخرين، أو ما يشير إلى الاستخفاف بهم، بل كان هينا ليّنا سهلا قريبا منهم صبورا عليهم، ولم يرد عنه صلى الله عليه وسلم أنه غضب لنفسه، بل كان كله تواضع وصبر.

3- حسن الاستماع

إن من يمعن النظر في الحوار الذي دار بين النبي صلى الله عليه وسلم والشاب، يستنتج أروع مثل في التقدير واحترام الآخر من خلال حسن استماعه لمن يحاوره، وإعطائه الفرصة لغيره للحديث عن مشاكله وهمومه، حتى لا يكون الحوار من جهة واحدة، فقد كان النبي صلى الله يسأل الشاب ويعطيه فرصة الإجابة والدفاع عن نفسه، عندما كان يرد الشاب بـ(لا والله جعلني الله فداءك).

4- التيسير في الإقناع

من أهم الوسائل التي تغير سلوكيات واتجاهات الشباب الإقناع بأسلوب ميسر، فيه من الحجج والأدلة والبراهين ما يشفي الصدور، فالمتتبع لحديث النبي صلى الله عليه وسلم يجد، بما لا يدع مجالاً للشك، أنه لم يخير عليه الصلاة والسلام بين أمرين إلا اختار أيسرهما، حتى في حواره كان خلقه التيسير ونبذ التعسير، فلم يعنف ولم يستعمل الزجر بل كان يجادل بالتي هي أحسن “أتحبه لأمك”.

5- إعطاء الهدية

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “تًهادِوٌا تًحآبٍّواِ” 6 الهدية محبة وقرب، يتقرب بها الأخ من أخيه فكيف إذا كانت هذه الهدية من الأب لابنه، مغلفة بكلمة طيبة تفعل فيه ما لا تفعله ألف خطبة، وأعظم هدية أن تضرب على قلبه دعاء وتضرعا إلى الله بالهداية والثبات والصلاح كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم “وضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يكن ذلك الفتى يلتفت إلى شيء”.

إن الحوار الهادئ والأسلوب المتزن الذي اتبعه النبي صلى الله عليه وسلم مع الشاب أسلوب تربوي متميز، صحح المفاهيم وبين الوسائل وغير العادات، لتكون تربية الأمة لشبابها على منهج قويم مبنية على الحوار والرفق والتيسير في الإقناع حتى تربي جيلا قادرا على حمل رسالة التغيير والبناء.


[1] رواه الإمام البخاري في صحيحه.\
[2] مسند الإمام أحمد.\
[3] آل عمران: الآية 159.\
[4] الشعراء: الآية 215.\
[5] متفق عليه.\
[6] رواه البخاري في الأدب المفرد.\