بناء الأمة وتخليد الأمجاد جزء من صناعة التاريخ، وهذا البناء لا يقوم إلا على همم ورجال تنصلوا من أنانيتهم وهوى نفوسهم واسترخصوا حياتهم ومهجهم بذلا وعطاء.

وأنت تطالع تاريخ هذه الأمة لتقف على صفحات مشرقة سطرت بمداد من فخر وعزة، أبطالها علماء أفذاذ استوعبوا معنى حديث رسول الله (العلماء ورثة الأنبياء) فرشحوا أنفسهم للدعوة وتبليغ الأمانة وإحياء الأمة وتعليمها، بل تحملوا وصبروا وابتلوا في أنفسهم وأهليهم وأموالهم بداية من النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام مرورا بالأجيال المتعاقبة المؤمنة المجاهدة.

الصدع بالحق

فقد تعددت صور وأصناف الابتلاء التي تعرض لها علماؤنا من تعب ونصب وهجر للنوم والراحة وصبر على الفقر وشظف العيش وسجن وتعذيب، بسبب صدعهم بالحق ووقوفهم ضد سلاطين الجور والظلم ورفضهم للأعطيات والمناصب.

فكان همهم -بعد رسوخ أقدامهم في التربية والعبادة- الانشغال بقضايا الأمة واهتماماتها. فها هو الحسن البصري يحارب علماء الخمول وعلماء الخلاف والتفاهات قبل حربه الظلمة، فقد سأله وكيع بن أبي الأسود: يا أبا سعيد ما تقول في دم البراغيث يصيب الثوب أيصلي فيه؟ فيجيبه: ياعجبا ممن يلغ في دماء المسلمين كأنه كلب ثم يسأل عن دم البراغيث) 1.

إنه الفهم الجامع والأصيل للقضايا وفق ما تمليه قواعد الشريعة ومسؤولية الفقيه العالم من رد الأفهام إلى أصولها النبوية والصدع بكلمة الحق مهما كانت تبعاتها.

الأمر نفسه مع الإمام أحمد الذي امتحن في خلق القرآن فسجن ثلاثين شهرا وعذب وانتهكت حرمته فما وهن ولا ضعف ولا تنازل عن قول الحق، لأنه تشرب المعاني النبوية وجسّد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر). يقول الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن هشام بن عباد قال سمعت جعفر بن محمد يقول: الفقهاء أمناء الرسل فإذا رأيتهم – الفقهاء – قد ركنوا إلى السلاطين فاتهمهم) 2 .

ومن صنوف ما لقيه علماؤنا، ما أخرجه الخطيب البغدادي في “تاريخ بغداد” في ترجمته لإبراهيم بن إسحاق الحربي قال: (أي إبراهيم الحربي) أفنيت عمري ثلاثين سنة برغيفين إن جاءني بهما أمي أو أختي أكلت وإلا بقيت جائعا عطشا إلى الليلة الثانية.

طالع أيضا  العلامة المغربي عبد اللطيف جسوس ينتقل إلى رحمة الله

سلسلة الرجال

فلم ينقطع في تاريخنا سلسلة الرجال الصادقين الصادعين في وجه الظلمة ومعارضة الباطل ورفع صوت الحق وتحدي القوى الظالمة أو عناصر الفساد والإفساد وفتح نوافذ جديدة في التفكير 3 والأمل في التحرر والتغيير والبناء (سعيد بن جبير مع الحجاج، سعيد بن المسيب، الإمام مالك، الإمام أحمد، عبد المبارك، العز بن عبد السلام، ابن تيمية، أسد بن الفرات…).

وكيف تنقطع السلسلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم وعد بظهور مجددين 4 : روى الإمام أحمد والطبراني والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل سنة من يجدد لها دينها”.

لقد أظهر العلماء القائمون على الحق عبر الأزمان عزة الدين وسموه وأبانوا عن عمق الإيمان الذي يتأجج في صدورهم حتى يجهروا بكلمة الحق، غير هيابين سلطان الحكام ولا قوة الدولة ولا صولة الجند ولا قساوة الجلاد، ولا غرابة في ذلك فهم حماة الدين و ورواحل البناء وحمال لواء الشريعة وميراث النبوة.

إن الإسلام اليوم يريد من المسلمين – خصوصا معشر العلماء – أن يبذلوا أقصى الجهد ومنتهاه في بيان أحكامه بصراحة وجرأة وحمل الدعوة إليه جاعلين وجودهم قائما على أساسه) 5 والذود عن حياضه وبذل النفس والنفيس لبناء الأمة وصناعة التاريخ.


[1] رجال القومة والإصلاح للأستاذ عبد السلام ياسين ص 81-82.\
[2] سير أعلام النبلاء ج6 ص262.\
[3] رجال الفكر والدعوة في الإسلام لأبي الحسن الندوي ص 26 بتصرف.\
[4] رجال القومة والإصلاح ص 42.\
[5] الإسلام بين العلماء والحكام لعبد العزيز البدري ص 9-10.\