تعد صلاة الاستخارة من الصلوات النافلة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمها لأصحابه وأمته من بعده، ولأهميتها كان يلقنها لهم كما يلقنهم الآية من القرآن الكريم. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها” رواه الإمام البخاري.

أهمية الاستخارة

الاستخارة استفعال من الخير، يقال خار الله له، واستخار الله طلب منه الخيرة، وخار الله له أعطاه ما هو خير له، والمراد طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما. أخرج الإمام أحمد والحاكم وأبو يعلى وابن حبان والبزار بسند جيد والترمذي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من سعادة ابن آدم استخارته الله، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله، ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضاه الله”.

والاستخارة قربة ملؤها الانكسار والتفويض والإخلاص والرجوع إلى الله، والثناء عليه، وطرق بابه  وهو سبحانه العليم القدير- للهداية والتيسير والتأييد، قبل الأخذ بالأسباب وخلال مباشرة العمل، حتى يجمع سبحانه لمن استخاره بين خيري الدنيا والآخرة، العاجل والآجل، بالرضا والتوفيق. ومن أعظم موجبات الفرج والسرور توجه القلب إلى الله تعالى في كل صغير وكبير، خاص وعام، وتقديم الشكوى بين يديه بتضرع وخشوع، إذ واجب على العبد أن يرد الأمور كلها إلى الله تعالى وأن يتبرأ من كل حول وقوة إلا إليه سبحانه.

وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة يستخير ربه ويسأله الخير والسداد والعون والمدد، واستعينوا بالصبر والصلاة، وفي الحديث “وليسأل أحدكم ربه حتى شسع نعله”، لهذا كان السلف الصالح الذين سبقونا بزمان يطلبون الله حتى ملح الطعام ثم يأخذون بالأسباب.

لذلك على المؤمن والمؤمنة عدم ترك الاستخارة عند الإقبال على كل عمل من الأعمال التي يحبها الله تعالى ويرضاها، مع العلم أنه لا تجوز الاستخارة في فعل الحرام، لأن حكم ترك المحظور ثابت لا يتغير إلا بضرورة مقدرة تقديرا شرعيا.

كيفية الاستخارة

روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا هم أحدكم بأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ويقرأ فيها بما شاء، ثم ليقل – أي بعد الصلاة – وهو على جلستها مستقبلا القبلة مستحضرا حاجته إلى الله الدعاء الآتي: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر – ويسمي حاجته - خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجله وآجله - فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجله وآجله – فاصرفه عني واصرفني عنه (حتى لا يبقى القلب بعد صرف الأمر عنه متعلقا به) واقدر لي الخير حيت كان ثم أرضني به” رواه البخاري.

وذكر الإمام النووي رحمه الله أنه يقرأ في الركعة الأولى بالفاتحة و”قل يا أيها الكافرون” وفي الركعة الثانية بالفاتحة و”قل هو الله أحد”، وينوي بركعتي الاستخارة كل عمل يعمله في يومه وليلته. ويستحب افتتاح الدعاء المذكور وختمه بالحمد لله تعالى والثناء عليه والصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولا بأس بتكرار هذا الدعاء، فالله تعالى يحب العبد الملحاح، وإكثار الاستخارة في الأمور ترياق مجرب.

وبعد الاستخارة يقدم العبد على ما ينشرح به صدره، دون أن يكون وقت الاستخارة عازما عزما مطلقا على الأمر أو عدمه فإن ذلك خيانة في التوكل، إذ ليس بالضرورة أن يرتبط خير المرء بما أحبه أو عزم على فعله دون أن يستخير الله، مثلما لا يقترن شره بما كرهه أو عزم على تركه قبل الاستخارة. إنما بعد الاستخارة تتبين الأمور. قال الحق سبحانه: وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (البقرة، 216).

وكان سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه يقول: “اللهم إني أسألك التوفيق لمحابك من الأعمال، وصدق التوكل عليك، وحسن الظن بك، اجعل لي فيه الخيرة”.

اللهم اجعل اختيارنا من اختيارك واجعل تدبيرنا من تدبيرك واجعل مشيئتنا من مشيئتك واجعلنا من المحسنين. آمين والحمد لله رب العالمين.