أجرت أسبوعية الأيام حوارا مع الأستاذ فتح الله أرسلان، نائب الأمين العام لجماعة العدل والإحسان والناطق الرسمي باسمها، حول تصعيد الدولة التعسفي ضد الجماعة؛ ممثلا في توقيف ثلاثة أساتذة بكليات الطب، واتهامها من قبل الحكومة بالوقوف وراء احتجاجات طلبة الطب، ومواصلة مسلسل تشميع بيوت أعضائها.

سياق ودلالات كل ذلك، وموقف الجماعة من السلطة والحكومة وأحزابها، ومآلات تصعيد النظام ضد العدل والإحسان، وسؤال المراجعات، وغيرها من القضايا الهامة، تطرق لها الحوار مع جريدة الأيام.

فيما يلي نصه الكامل:

–    ما هو ردكم على البلاغ الحكومي الذي اتهم جماعة العدل والإحسان بتأجيج احتجاج طلبة الطب وتغذية معركتهم المستمرة؟ وكيف تفسرون قرارات التوقيف بحق ثلاثة من كوادر الجماعة في القطاع الطبي؟

ردنا على بلاغ الحكومة الشارد عبرنا عنه بشكل واضح في البيان الصادر عن مجلس إرشاد الجماعة، الذي وصف الاتهام المتكرر عند كل أزمة اجتماعية، تحمل مطالب فئات قطاعية أو مجالية، بأنه أسطوانة مشروخة ملّ الناس سماعها ومجّتها عقولهم المستقلة، حتى باتت مَوضِعا لسخرية شعبية عارمة، أكدت أن السلطة تنتهج أسلوب الهروب إلى الأمام والبحث عن الشماعة، عوض مواجهة المطالب والتعامل الجاد مع أصحابها.

البلاغ الحكومي استصغر آلاف الطلبة الأطباء وانتقص من عقولهم وإراداتهم المستقلة، وجعلهم كلهم خاضعين وفي نفس الآن لتأثيرٍ، لا نعلم ما هو، تمكنت من خلاله جماعة العدل والإحسان أن تُمرّر قرار مقاطعة الدروس والامتحانات في كل كليات الطب في سبعة مدن!!! أي منطق وعقل هذا الذي يقبل مثل هذا الخرف، ويتهم نخبة من الشباب المتفوقين الأذكياء بتسليم عقولهم لغيرهم؟! ولعل من شاهد الندوة الصحفية لتنسيقية الأطباء، أمس الإثنين، سيلمس ذكاء ونباهة وإدراكا لافتا لشباب يطالب بما يخصه في دراسته ويهم الصحة العمومية، ويدرك أن على السلطة بذل مجهود أكبر من أجل التعرف على شباب المغرب.

فالاتهام إذن أصبح مكشوفا اجتماعيا وشعبيا ولا يستدعي كثير قول وحجاج لبيان انفضاح مراميه السياسية.

أما فيما يخص توقيف ثلاثة أساتذة جامعيين من كليات الطب بالبيضاء ومراكش وأكادير، رغم كفاءاتهم العلمية والأكاديمية والمهنية العالية، فهو تضييق على المجتمع بإقصاء الأطر الجادة المجدة المتفوقة من مجالات الخدمة العمومية، وهو حلقة في مسلسل إطفاء مناطق الضوء في المجتمع وتهجير الأدمغة لصالح الرداءة الجاري التمكين لها بقوة، وهو خطوة في مسار التضييق على العدل والإحسان وأطرها بسبب مواقفها المنحازة للشعب المغربي وقضاياه العادلة.

طالع أيضا  ذ. أرسلان: المغرب لم يعش تجربة "الانتقال الديمقراطي" وما حدث "مناورة سياسية"

ولقد كان التضامن الواسع والقوي الذي عبر عنه الجسم الطبي والجامعي بأساتذته ونقاباته وتنسيقياته ومكاتبه المحلية والوطنية وطلبته… خير معبر وجواب عن القرار وعقلية التسلط التي تريد إسكات وعقاب الجميع.

–    لم يكن البلاغ الحكومي الأخير الأول الذي ذكر الجماعة بالاسم، فقد سبق لذات الحكومة أن اتهمتكم بتأجيج الأوضاع في الحسيمة وجرادة؛ ألا يدل ذلك على تأكد الحكومة من وجود دور خفي لكم فيما يجري من أحداث؟

نعم ليست المرة الأولى التي تبحث فيها الحكومة عن شماعة تلصق فيها فشلها، ولكنها المرة الأولى التي يتم فيها الإشارة صراحة إلينا بالاسم وعبر الناطق باسمها وليس فقط عبر وزيرها في الداخلية أو إعلامها الموالي كما في المرات السابقة، ولهذا دلالة تُحمّل الأغلبية الحكومية والحزب القائد لها ورئيس الحكومة مسؤوليتهم التاريخية.

تكرار الاتهام والإصرار عليه لا يدل على شيء سوى على فراغ جعبة النظام من المبررات التي يقدمها للشعب، وضمور الأجوبة التي يفسر بها الواقع المتدهور، ومحدودية قدراته على المناورة التي تضيق أكثر كلما مضى في استبداده وإفساده، مع ما يترتب عن ذلك من أزمات اجتماعية وارتداد حقوقي وانحباس اقتصادي.

إننا جماعة منغرسة في المجتمع بحمد الله، لنا قواعد وأطر وأعضاء في مختلف شرائح المجتمع، وهؤلاء الأعضاء جزء من الفئات التي ينتمون إليها، يضرهم ما يضر أصحابهم ويطالهم ما يطال زملاءهم، فإذا ما قرروا في تجمعاتهم الخاصة وتنسيقياتهم المستقلة التي تدافع عن مصالحهم أن يضعوا ملفات مطلبية ويدافعوا عن حقوقهم، فمن الطبيعي أن يشارك أعضاؤنا وينخرطوا كما زملائهم فيما يعنيهم ويحفظ مصلحتهم. فأن تحاول السلطة وألسنتها الإعلامية والدعائية اعتبار ذلك دورا للجماعة في تأجيج هذه الاحتجاجات وإطلاقها والركوب عليها فهو الخرف السياسي، وهي المحاولات اليائسة التي تروم التخويف والشيطنة ومن تم العسف على تلك الفئة والشريحة الاجتماعية، لضرب مطالبها لصالح لوبيات السلطة ولاعبيها الكبار الذين تتكشف حيلهم يوما بعد يوم.

طالع أيضا  شكرا لك

نزع الفتيل واضحة طريقه، وسحب ورقة الاحتجاجات من يد العدل والإحسان، كما تدعي الحكومة والنظام، بيّنة سبيله، وقلناها مرارا: أعطوا الناس حقوقهم تنطفئ الاحتجاجات وتسحبوا البساط من تحت أقدام كل من تتوهمون ركوبه إن كنتم صادقين!

–    لوحظ أن بيان مجلس الإرشاد تجنب الإشارة إلى الحكومة وعمد إلى توجيه خطابه إلى “السلطات المغربية”، وهي كلمة ذات دلالة سياسية في القاموس الذي تستعملوه؛ هل بذلك تبحثون عن تجنب الاصطدام مع حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة أم له تفسير آخر؟

لا نحرص على الاصطدام مع أي أحد، كما لا نتحرج من تحميل المسؤولية لأي كان إن كان يتحملها. منهجنا جامع بين الكلمة المسؤولة والإنصاف في القول والوضوح في الموقف. وفق هذا المنطق، عبرنا أكثر من مرة وفي ظل حكومات سابقة، وهو ما يسري اليوم أيضا، أن الحكومات تتحمل مسؤولياتها في سير البلد نحو الهاوية، وفي انتهاج السياسات اللاشعبية، وفي إطالة عمر الفساد والاستبداد، وفي إضاعة الفرص والزمن على المغاربة كي يؤسسوا للتقدم والحضارة كما شعوب الأرض.

هذه المسؤولية ثابتة، لا ينتقص منها قولنا وتأكيدنا -بناء على حقائق الدستور ووقائع الممارسة- أن الحكومة لا تملك زمام أمرها، وأن الحاكمين الفعليين يتحركون من وراء ستار الحكومة ووزرائها والمؤسسات الشكلية الموضوعة في المقدمة، وأن البنية الجوهرية للحكم تتمثل في المؤسسة الملكية ومحيطها وشبكتها.

فهؤلاء يتحملون مسؤولية الحكم وقراراته وتبعاته، وأولئك يتحملون مسؤولية المشاركة والتبرير والتنفيذ.

–    ترتبطون بعلاقات طيبة مع حزب العدالة والتنمية في الوقت الذي يحملكم على مستوى الحكومة مسؤولية كل ما يحصل، ألا تتأثر علاقتكم بهكذا اتهامات؟

نرتبط بعلاقات طيبة مع الجميع بحمد الله، ونحرص على مد اليد والتعاون مع الجميع، ولنا من الحكمة بحمد الله ما يساعدنا على ترسيخ منهج الاحترام والتقدير مع كافة الفعاليات والأحزاب والحركات.

من الطبيعي أن تتأثر العلاقات بالأحداث والمواقف، غير أننا، ونحن نحرص أشد الحرص على تفهّم كافة الاجتهادات والمواقف، ندعو الجميع إلى تحمل مسؤولياتهم الجسيمة أمام الذات والمبادئ والمجتمع وقواعد الإنصاف والعدل. فالتاريخ يسجل سيرة الجميع.

–    لا يمكن قراءة اتهامكم بتأجيج مقاطعة الطلبة الأطباء والتوقيف المؤقت للأساتذة المنتمين إلى الجماعة بمعزل عن سياق تشميع بيوت أفراد الجماعة؛ هل نشهد مرحلة جديدة من الصدام بين الجماعة والدولة؟ وماذا تفكرون فيه لنزع فتيل التوتر؟

طالع أيضا  ذ. بناجح: تشميع بيت حساني "خارج القانون" و"يعاكس الشعارات المرفوعة"

فعلا هي خطوات سلطوية مترابطة وتدابير مخزنية يَنظمها قرار مركزي. هل تحيل إلى مرحلة جديدة من حملة السلطة وحربها على الجماعة بشكل أكثر تصعيدا؟ هذا ما يمكن أن تسألوا بخصوصه نظام الحكم لأنه صاحب قرار الهجمة المتواصلة على الجماعة، لا نحن الذين نواصل عملنا الهادئ والباني والواضح والقانوني في المجتمع والمدافع.

ليس من سياساتنا التأزيم وتصعيد المشكلات كي ننزع فتيل توتر لسنا متسببين فيه ولا نعتبر أنفسنا طرفا فيه، كما أن منهجنا في التغيير، القائم على السلمية واللاعنف والعقلنة، واضح للجميع، رسخته الممارسة واختبر صدقيته الزمن. لكن ما يمكن أن يتأكد منه الجميع أن العدل والإحسان عصية عن التطويع، عصية على التجاوز، أقوى من أن تهزها الضربات، راسخة بفضل الله في أرض المغرب لأنها نبتة أصيلة في تربته.

–    خلال السنوات الأخيرة تناسلت تقارير عن وجود تحول في موقفكم من النظام والعملية السياسية برمتها، حتى أن خطابكم المعارض ظهر كأنه خفت تماما، قبل أن تحصل التطورات الأخيرة؛ هل مازلتم تحافظون على نفس المواقف أم حصل لديكم تحول ما؟

الحديث عن التحول في المواقف وخفوت الخطاب، لا يتعدى أن يكون “افتراضا” ناتجا عن قلة تتبع مواقف الجماعة وخطابها الإعلامي والسياسي وربطه بقواعدها النظرية والفكرية، أو هو أمنية حالمة يتمناها البعض أن تكون واقعا حيا، تُدمج فيه الجماعة ضمن لعبة أثبت الواقع أنه لا معنى سياسي لها سوى ترسيخ الاستبداد والفساد.

بالطبع لنا مؤسسات وهياكل تشتغل على تطوير الخطاب وإنضاجه، كما تعيد قراءة المواقف والخيارات، كما تنظر في الآليات والمناهج، وهو ما يفترض أنه يسري لدى كل الحركات والتنظيمات العاقلة التي تطور من أدائها وفعاليتها وفعلها وحركتها، وهو الأمر الطبيعي بل المطلوب. لكن القول بالتحول، الذي يُعبّر عنه أحيانا بالمراجعات، بما يشي بالتنازل عن الخط والمواقف الثابتة، فهو مما لا يتماشى بتاتا مع التصور الواضح والقناعات الراسخة لدى جماعة العدل والإحسان.