استهلال لغوي

أجمع الكثير من الدارسين على أن التربية رهان مهم وكبير في المشروع الجامع للأستاذ عبدالسلام ياسين، فهي (تغيير باطني لنفس الإنسان، ومعناها في اللغة تنمية وتقويم، بيد أن نوعية التربية تختلف باختلاف الغاية التي نرجوها للذي نربيه) 1، وهي ليست إعدادا للحياة فحسب وإنما هي الحياة نفسها 2، بها يعمر كيان المسلم المشتاق محبة، فيكتشف بذلك ربه 3، ثم يكتشف قيمته باعتباره مخلوقا مكرما لم يخلق عبثا.

والرهان على التربية رهان من طريق مباشر على بواطن الإنسان وأدقها، (ففي النفس تستوطن الأمراض الاجتماعية البغيضة والآفات الشخصية الباطنة من استكبار وأنانية وشهوة وكراهية واستبداد) 4. ولا يقف أثر التربية عند الأساس الروحي بل يتعداه إلى البناء الفكري والثقافي والاقتصادي المتكامل 5.

مقدمة

من النعم العظيمة التي يمن الله بها على عباده: الحب في الله وصحبة الصالحين ومحبتهم والتواصي بالمرحمة، لتقوية آصرة ولحمة البناء الداخلي للجماعة المومنة، قصد مقاومة التسلط الخارجي 6، لكنها مرحمة ترفعك من حبك لله إلى حبه هو لك، إذ (ليس الشأن أن تحب الله ولكن الشأن أن يحبك الله، فالطاعة للمحبوب عنوان محبته) 7، لذلك “إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْض” 8.

على هذا الأساس أنشأ الحبيب صلى الله عليه وسلم جيلا من الصحابة قرآنيا، تلقوا كلام الله بنية التنفيذ، فكانوا رضي الله عنهم كلما قرأوه أو تليت عليهم آياته ازدادوا إيمانا ويقينا ومحبة وتصافيا فيما بينهم، فكانت شخصياتهم إحسانيه متميزة ورفيعة المستوى، شاهدة بالقسط، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة 9.

أخرج البزار عن جابر رضي الله عنه قال: “كانت الأنصار إذا جزّوا نخلهم قسم الرجل ثمره قسمين أحدهما أقل من الآخر ثم يجعلون السعف مع أقلهما ثم يخيرون المسلمين يأخذون أكثرهما، ويأخذ الأنصار أقلهما من أجل السعف حتى فتحت خيبر، فقال رسول الله: و”فيتم بالذي كان عليكم فإن شئتم أن تطيب أنفسكم بنصيبكم من خيبر ويطيب ثماركم فعلتم”، قالوا: إنه قد كان لك علينا شروط ولنا عليك شرط بأن لنا الجنة. قد فعلنا الذي سألتنا بأن لنا شرطنا قال: “فذاكم لكم”” 10.

ولنحن في زمن الفتنة، حيث اختلط الحق بالباطل، لأحوج إلى قلوب رحيمة محبة ومقتحمة حتى يكون للإسلام (المنبعث… حرارة حياة جديدة وباعث محبة جديدة يفصل بين الإنسان والمال ليبتذل ويُبذل) 11، ويقتحم الحواجز والعقبات التي تحول دون النهوض بالأمة واجتماع القلوب والطاقات. وقد وعي الأستاذ ياسين رحمه الله خطورة التجاذبات في عصرنا، فدعا هذا الإنسان إلى صناعة مجتمع العمران الأخوي بعيدا (عن مفهوم مجتمع الكراهية أو المفهوم الغابوي للمجتمع المادي الغربي (التعاقدي)) 12، وركز رحمه الله على التراحم والتعاطف والاحتضان والمواساة وعدم الاضطهاد، (لأن التأليف الاجتماعي في العمران الأخوي تأليف عضوي تندمج فيه المصلحة الفردية في الصالح العام) 13، فهو لهذا مجتمع تراحمي وتضامني وتشاركي ومتعاون بتلقائية دون إكراهات أدبية أو معنوية.

أنصار ومهاجرون

عن ابن إسحاق قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: “أحبوا ما أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تَقْسُ عنه قلوبكم… وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكس عهده، والسلام عليكم” 14.

إن (جند الله الذين برزوا من عرينهم كالأسود كانوا حملة رسالة هي أعز عليهم من أموالهم وأنفسهم. وكانوا نتاج تربية وتمحيص واختبار على محك الأحداث العسيرة… ولمدى عشر سنوات اختبرت صفة الصدق في الصف المجاهد… وتدرجت التربية بجند اللّه من الولاء لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى الولاء للّه عز وجل) 15 وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم 16. فأعظم به من فضل وأعظم بها من نعمة وأعظم به من رزق، حيث تجسدت كل معاني الهجرة والنصرة والإيواء والجهاد في سبيل الله ورسوله والمستضعفين في الأرض فيهم، فبهم أيد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حين هاجر إلى المدينة؛ فقال: هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم. لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم، إنه عزيز حكيم 17. كانوا النواة والمركز الذي قامت وتقوم عليه جماعة المسلمين، صلحت الولاية فيما بينهم واستقرت المحبة في قلوبهم فترجمت إلى عمل وجود وكرم ونصرة، وقد وصفهم الله في كتابه فقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ 18، جمعتهم ولاية خاصة، أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بأمر ربها، لأنها نتاج مدرسة الصحبة؛ المنبع الأصيل؛ الذي أينع رجالا متحابين في جلال الله، عرفوا معنى الحب في الله ومقتضياته، عرفوا الحق فالتزموه، وعرفوا الواجب فلم يتركوه. وقد ثبتت رابطة الاخوة بينهم فقال فيهم سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ 19، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ 20.

طالع أيضا  د. حرور يدقّق النظر في معوّقات التربية الإيمانية الإحسانية وسبل تجاوزها

لكن أليست هذه المعاني باقية ببقاء دين الله، تتجدد كلما نادى منادي تجديد الدين والايمان؟ فكيف؛ يا ترى؛ ننال هذا الفضل وهذا الرزق العظيم؟ وإذا رُزقناه كيف نحافظ عليه ونحذر قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ 21؟ أليس العفو والصفح والتغاضي عن الهفوات والعيوب مدخل كبير لمحبة الله ورسوله؟ كيف نجمع في سلوكنا الجهادي إليه سبحانه بين الذلة والقوة؟ كيف نكون أشد ضناً منا بنفائس أرزاقنا إذا صفا لنا أخٌ في الله؟ وهل الحب الذي يتقرب به إلى الله استراحة وتبادل للعواطف الجياشة والود في مجالس البطالة والرخاوة؟ أم هو حب يثمر مجاهدين واعين بمقتضيات وواجبات المحبة، ولعل أدناها: إماطة الأذى عن طريق من تحب؟

سلمان وأبو الدرداء

إن أمثلة الإخاء في الله لا تعد ولا تحصى، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم جميعا يعيشون في ظلال الأخوة الإيمانية متحابين رحماء بينهم، وضربوا بذلك مثلا عاليا في الإيثار والمحبة، فهذا سلمان وأبو الدرداء أحد هذه النماذج السامقة، ذلك أن المهاجرين حين قدموا المدينة آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم؛ أي عقد بينهم وبين الأنصار الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم عقد أخوة 22؛ فكان المهاجرون في هذا العقد للأنصار بمنزلة الإخوة.

ونورد هنا؛ باختصار؛ أخوة سلمان وأبي الدرداء كما رواها البخاري رحمه الله:

(زار سلمان الفارسي – رضي الله عنه – أخاه أبا الدرداء – رضي الله عنه – فما وجده، لكنه وجد أم الدرداء وهي متبذِّلة، فسألها عن شأنها، فقالت: أخوك أبو الدرداء ليس له بنا حاجة في الدنيا! فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا، فقال له: كُل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قال: نَم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نَم فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نَم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قُم الآن، فَصَلَّيَا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كل ذي حق حقّه، فأتى أبو الدرداء النبيَّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق سلمان) 23.

ولقد روي عنهما بعد استقرارهما في بلدين متباعدين، أنهما تبادلا رسائل كلها مودة ومحبة وتصاف ونصح في الله، فهما رضي الله عنهما اجتمعا على الله وتفرقا عليه، ما كان همهما الدنيا وزخرفها. واذا أمعنا النظر والفكر في هذه المحبة الخالصة سنكتشف كل حقوق وواجبات الحب في الله، من اسداء للنصيحة وحرص على طلب وجه الله سويا والآخرة…

الذلة والقوة

لعلنا نتساءل كيف للإنسان أن يجمع بين القوة والذلة؟ كيف يمكنه أن يكون لينا هينا ثم قويا عزيزا معتزا بدينه؟ هل الأمر يحتاج إلى تصنع ومجاملة؟

الأستاذ ياسين رحمه الله بعد تدبره في هذا الأمر، انطلاقا من قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ 24. رأى أن (المؤمن حين يلين لإخوانه ويتواضع لهم يعطي من ذات نفسه عن طوع لا عن إكراه ولا عن خوف.

وإن الجمع في شخصية المؤمن بين طرفي الذلة على المؤمنين والعزة على الكافرين لمن أهم بواطن التربية وأدقها. لأن المؤمن الضعيف يميل به ضَعفه إلى طبع الاستكانة والسكون بينما يصول المستكبر ويَجول) 25.

طالع أيضا  الأمثلة في كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين

لذلك فالقوة الذاتية لأي جماعة تريد التغيير (نجدها تنبع من قلب الفرد العضو وفكره، وحركته، وسائر طاقاته. وإنما يحقق النظام، ووحدة القيادة، وضبط المسؤوليات تلك القوة الذاتية الكامنة في الأفراد، ويبرزها على شكل إنجازات عينية. فإن كان كل جندي وعضو في الجماعة ذا نفس خاملة، وفكر مظلم، وطاقات هزيلة فإن المجموع مهما نظمناه سيبقى كمًّا جديرا بالإهمال) 26.

وقد ميز رحمه الله بين الفضاضة والغلظة والقوة التي (هي المظهر السياسي للجاهلية. إذا كانت القومية هي الأساس والمبنى، وكانت الجهالة الوثنية بالله العلي القدير هي اللب والمعنى، فإن السيطرة بالعنف، والاستكبار الفرعوني في الأرض هما الوظيفة الحيوية، والرسالة الحضارية. إذا كانت القومية هي جذور هذه الشجرة الجاهلية وجذعها، وكانت الوثنية الجمالية اليونانية فروعها ونضارتها، فإن ثمرة تلك الشجرة الملعونة هي العنف والإفساد في الأرض) 27.

واستشهد بنقيض ذلك كله: رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان (لينا على المؤمنين، لينا لهم برحمة من الله الرحمن الرحيم. لم يكن فظا غليظ القلب. وقد من الله عليه بهذا الخلق العظيم في قوله) 28: فبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ 29.

وقد يطول الحديث لو استرسلنا في ذكر تواضعه صلى الله عليه وسلم وتواضع أصحابه، رضي الله عنهم أجمعين.

الشعار والعمل

سبق أن تساءلنا في فقرة سابقة عن ماهية هذا الحب الذي يُتقرب به إلى الله، أهو استراحة وتبادل للعواطف الجياشة والود في مجالس البطالة والرخاوة؟ أم هو حب يثمر مجاهدين واعين بمقتضيات وواجبات المحبة؟ ولعل أدناها: إماطة الأذى عن طريق من تحب؟ كيف نجعل الحب في الله حقيقة، تثمر محبين صادقين ويقدمون البراهين على صدقهم؟ يقول رحمه الله: (وتجيء الأحداث القاسية لتفرز أهل النفاق والارتفاق والكلام المعسول من الصادقين.. حتى إذا فجعتهم وفاة الرجل العظيم، النبي الكريم، وأخبرهم أبو بكر الصديق أن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، كان ذلك إيذانا أن الإبّان جاء ليرتفع المؤمنون درجة أخرى في الصدق، فتكون حياتهم وقفا دائما للّه عز وجل، مجردا عن كل مجاملة أو تعلة أو شبهة أو تعلق أو تملق تتستر وراء الولاء للأشخاص) 30. روى الطبراني رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أوثقُ عُرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله عز وجل” 31. والحديث مشتق من أمر الله تعالى لنا أن نتوالى فيما بيننا، تحقيقا وعملا لا شعارا زائفا ومزيفا.

بمعنى أنني (إذا كنتُ أفِي بالوَلاية لله فإنني أحِبُّ ما يحبه الله، وأحب من يحبهم الله، وفي البغض كذلك. وقد ورد في القرآن الكريم أن الله يحب الأذلة على المؤمنين الأعزة على الكافرين المجاهدين في سبيل الله لا يخافون في الله لومة لائم. وورد أنه تعالى يُحب التوابين، والصابرين، والمتوكلين، والذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص. وورد أنه عز وجل لا يحب الكافرين، ولا الظالمين، ولا المفسدين، ولا المختالين المتكبرين الفخورين. بهذه الأوامر والإشارات الإلهية يتحدد لنا المسار العاطفي، والمنهاج العملي… لا يجوز لمؤمن وَفيٍّ لوَلائه لله عز وجل أن يترك الهوى، والاعتبارات النفسية والمصلحية، تُملي عليه سلوكا اجتماعيا، أو سياسيا، أو اقتصاديا، يتنافى مع حقوق الحب في الله والبغض فيه. ولا يجوز له أن يمنع ولا أن يعطي إلا بضابط الشرع. ولا يجوز له أن يحابيَ العشيرةَ والقَرابة والصداقة الشخصية إن تعارض شيء من ذلك مع الوَلاية لله ولرسوله وللمؤمنين) 32. قال سبحانه: لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 33.

طالع أيضا  ذ. عبادي في "ذكرى الوفاء" السادسة: صاحب الذكرى عاش لله وبالله ومع الله

خاتمة

الحب في الله نعمة وفضل ورزق منه سبحانه وتعالى، ولا حرية حقيقية ولا سعادة إلا داخل جماعة مومنة متضامنة ومتحابة في الله، ولا ننس أن سعادة المتحابين المحبوبين لا تنقطع، فقد نقل إلينا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “”إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياءَ ولا شهداء، يغبِطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانتهم من الله”. قالوا: يا رسول الله! تخبرنا مَنْ هم؟ قال: «هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها. فوالله إن وجوهَهم لنور، وإنهم لعلى نور. لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس». وقرأ هذه الآية: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون 34.

ويذكر في رواية أخرى أن أعرابيا جثا على ركبتيه متعجبا من أمر هؤلاء وطالبا الجلاء والتوضيح من الحبيب صلى الله عليه وسلم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم من حرصه، لكن كيف يغبط الأنبياء والشهداء من دونهم؟ ما السر في ذلك؟ ألقلة ما فعلوا ولعظيم ما نالوا أم ماذا؟

لعل السر في ذلك هو محبة الله لهم لصفاء سريرتهم وذلتهم على المومنين، لذلك فهو يسأل عنهم يوم القيامة ليباهي بهم: “أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظِلُّهم تحت ظلِّي يوم لا ظل إلا ظلِّي” 35.

فيا (غافل! ونفسيَ الأمارةَ بالسوء أعني، إن منادي السماء يهتف باسمك! فأي فلانين أنت؟ وما اسمك في الملكوت؟ وبِمَ تَنَزَّل الأمر في حقك؟ أيسوغ لك طعام وشراب قبل أن تعرف؟ أتحلو الدنيا في عينك قبل أن تستشف ما وراء الحجب بالاستماع والتسمُّع والذكر والابتهال والتضرع والتقرب حتى تأتيك البشرى؟ اللهم ارزقنا محبتك ومحبة أحبابك ومحبة محابك حتى يقع حبنا في مواضع حبك) 36.


[1] ياسين عبد السلام، الاسلام غدا، ص: 599.
[2] ادريس مقبول، سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين، ص: 112.
[3] ياسين عبد السلام، الإسلام أو الطوفان، 1974، ص: 130.
[4] محمد الزاوي، الأساس التربوي عند جماعة العدل والإحسان، ص: 216.
[5] سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين، ص: 113.
[6] ياسين عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ص: 68.
[7] ابن القيم، روضة المحبين: 199.
[8] البخاري عن أبي هريرة.
[9] سورة الحشر، الآية: 9.
[10] رواه الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: [روي] من طريقين وفيهما مجالد وفيه خلاف وبقية رجال إحداهما رجال الصحيح.
[11] ياسين عبد السلام، الإسلام غدا، ص: 284.
[12] سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين، ص: 125.
[13] ياسين عبد السلام، العدل، ص: 204.\
[14] تهذيب سيرة ابن هشام عبد السلام هارون.
[15] ياسين عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية: 85.
[16] سورة الحديد: 21.
[17] سورة الأنفال، الآيتان: 62-63.
[18] سورة الأنفال: 72.
[19] سورة الحجرات: 10.
[20] سورة التوبة: 71.
[21] سورة المائدة: 54.
[22] عقد الأخوة في الله نوع من الصحبة، تخصص داخل الأسرة التربوية وخارجها علاقات ثنائية تخدم الجماعة وتخف بتبادل الخدمة وقضاء الحاجة حركة الجماعة، وتقتصد من وقتها وجهدها: انظر المنهاج النبوي، ص:126.
[23] عن أبي جحفة وهب بن عبد الله ـ رضي الله عنه، رواه البخاري: 187.
[24] سورة المائدة: 54.
[25] الإحسان: 1، ص: 487.
[26] المنهاج النبوي، ص: 386.
[27] الإسلام والقومية العلمانية: 73.
[28] الإحسان، ج1، 487.
[29] سورة آل عمران: 159.
[30] الإسلام والقومية العلمانية: 85.
[31] رواه البراء بن عازب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأبي ذر الغفاري، ومعاذ بن جبل، ومعاذ بن أنس وغيرهم.
[32] جماعة المسلمين ورابطتها، ص: 52-55.
[33] سورة المجادلة، 22.\
[34] أخرجه أبو داود. وفي الباب أحاديث تُقَوّيهِ رواها الإمام أحمد وأبو يَعْلَى والحاكم.
[35] أخرجه مسلم ومالك في الموطإ عن أبي هريرة مرفوعا.
[36] الإحسان:1، ص: 188/189.