تعد محنة الدكتور مرسي الأخيرة التي انتهت بوفاة مؤلمة عقب أطوار محاكمة مغرقة في عبثيتها محنة استثنائية كونها تمثل حالة قل نظيرها من الظلم المركب، فمع أن التعرض للسجن والقتل وشتى أنواع التنكيل هو مصير طلاب الحق المدافعين عن كرامة شعوبهم في كل مكان وزمان فإن حالة الرئيس محمد مرسي أشد مضاضة، ذلك أن ما مورس عليه من قهر ومن إذلال بلغ حد الاستشهاد في ظروف مأساوية توازى مع حملة مسعورة تجاوزت أداء الرجل السياسي وقناعاته الفكرية لتضرب وتنال من مرسي الإنسان، وسيسجل التاريخ أننا كنا ولا نزال أمام واحدة من أبشع حملات التشهير التي عرفها عصرنا الحديث.

لقد أدرك أعداء الثورة أن إسقاط عدالة الرجل مهمة الساعة وأولى الأولويات ومفتاحا أساسيا لاستعادة الثورة المضادة زمام الأمور في البلاد، فشهدنا في تلك المرحلة التي لم تتجاوز السنة كثافة المواد التي طغت عليها السخرية والتسفيه والابتذال والتي طالت الرئيس في شخصه بشكل صبياني، فقلما كنا نجد طيلة تلك المدة نقدا جادا لسياسات مرسي، وتلك مسألة مقصودة، حيث لم يكن يريد من يدير الحملة على مرسي أن يتعلم الشعب انتقاد الرئيس انتقادا حقيقيا، لذلك اقتصر الحديث عن التشكيك في أهلية الرجل وافتقاده للهيبة اللازمة لقيادة بلد بحجم مصر في إيحاء ضمني للنموذج الذي كان يراد تكريسه نموذج من سبقه ممن حكم البلاد كيلا يخرج الشعب المصري من دائرة السلطوية.

مشكلة الرجال من طينة مرسي أن صفحتهم بيضاء وأن الآلة الدعائية التحريضية بعد أن تعجز عن الطعن في صدقهم وفي نزاهتهم وفي أخلاقهم تتهمهم في صحتهم النفسية أو ترميهم بالسذاجة، وهذا ما حدث مع الرئيس مرسي الذي غيب فجأة كل تاريخه السياسي ومستواه الأكاديمي الرفيع ليأتي من هب ودب فيستهزئ منه بأحط الأوصاف، ذلك ألا مصلحة لهم في أن تشيع مثل هذه النماذج التي يسعوا إلى طمسها ما أمكنهم ذلك فتعادى تلك الشخصيات دون أي ذنب قد اقترفته.

طالع أيضا  "الإخوان المسلمون": آلاف المعتقلين بمصر مُعرَّضون لنفس مصير مرسي

ثم إن تأليب الأدوات الإعلامية على الدكتور مرسي قد جاء والبلاد هائجة، حيث أن كل ذلك الكبت الذي عانى منه الشعب، جراء ما أفسدته عقود من التخريب الممنهج والفساد المنظم وطغيان الرأي الأوحد، انفجر في وجهه حتى قبل أن يكمل ربع ولايته، فناله في سنة واحدة من هجوم ما لم ينل كل رؤساء وملوك وفراعنة مصر مجتمعين.

كذلك فإن استعلاء النخب المرضي على مرجعيته قد جعلهم لا يستسيغون بقاءه رئيسا عليهم ولو لحظة واحدة، هذا دون أن نغفل كذلك ضيق كثيرين من أقرانه به غيرة وحسدا منهم في ظرفية حرجة تمر بها البلد لا تحتمل هذه الطفولية البائسة.

لعبة المحاور كان لها أثرها أيضا، حيث كان مرسي ضحية الاصطفافات الإقليمية والدولية التي التقت على إزاحته من المشهد بأي وجه كان، وهو ما انعكس على أدواتها الإعلامية بمختلف تلاوينها التي شنت عليه حملات لا هوادة فيها.

لقد تحالفت كل هذه العوامل لشيطنة شخص مرسي، غير أن العامل الحاسم الذي أثر في الصورة هو حالة الدناءة التي تطبع سياسيي ومثقفي ونخب هذه الأمة الذين يحولون أي خلاف بسيط كان يمكن حله بأدوات ناعمة إلى معارك تصرف فيها الأحقاد بهدف النيل من المخالف والإمعان في إيذائه، فحتى والرجل قد أزيح من منصب الرئاسة فإن تلك النبرة العدائية لم تتوقف، بل إن من لؤم البعض أن الذي استدعى العسكر أو قدم أرضية ملائمة لتغوله في الحياة السياسية المصرية هو ذاته الذي يصر على تحميل مرسي مسؤولية فشل الثورة ومسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في البلاد.

وحتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة فإن عبارات الشماتة أو محاولات الانتقاص منه ظلت حاضرة عند هؤلاء لكأن بينهم وبينه ثأر شخصي، وهو أمر مفهوم على كل حال، ففي موت الشهيد محمد مرسي وما حظي به من تعاطف تداع لروايتهم المزورة التي أسسوها مستغلين التغييب القسري لتيار مترامي الأطراف في غياهب السجون، لذلك هم محتقنون وغاضبون ويستكثرون عليه حتى عبارات مواساة عابرة، فيظنون أنهم سيوقفون موجات التضامن العالية معه فيما لا يزيدهم موقفهم الشاذ هذا إلا ازدراء بين الناس.

طالع أيضا  نظام السيسي يفرج عن مبارك ويعلن انقلابه على ثورة 25 يناير بعد انقلابه على مرسي

الجدير بالذكر أننا لسنا بصدد الدفاع عن مجمل أداء الدكتور مرسي الرئاسي، لكننا نريد إعادة البوصلة إلى اتجاهها، أي أن نميز بين النقد الموضوعي لتلك المرحلة بغية تصويبها وبين التشهير الذي يسفه الحياة السياسية ويفسدها ويجعلها عرضة للاختراق من طرف المتسلقين وأصحاب المصالح المشبوهة.