يجتمع اليوم 23 يونيو 2019، في مسيرة العاصمة الرباط، كل مؤمن بعدالة القضية الفلسطينية، غيور على المقدسات الإسلامية، رافض للإجرام الصهيوني الغاصب لحقوق الفلسطينيين شعبا وأرضا، وللتواطئ المخزي بين قوى الاستكبار الاستعماري العالمي والعربي، والذي وصل ذروته مع إعلان الإدارة الأمريكية المنحازة للمستعمر الصهيوني عما سمي بـ”صفقة القرن”، وبداية التهييء الفعلي لإنزالها بدءا بالإعلان الأمريكي مدينة القدس عاصمة للكيان الصهيوني وانتهاء (إلى حد الآن) بالدعوة لإقامة مؤتمر دولي في العاصمة البحرينية المنامة يومي 25 و26 يونيو الجاري، بمساندة دول عربية مطبعة، راجت أخبار في وسائل الإعلام عن قبول المغرب حضوره.

فيما يلي تقرير يعرف بهذه الصفقة؛ أهدافها، ومخاطرها على القضية الفلسطينية ومن ورائها الأمة الإسلامية، والخطوات الإجرائية التي تمت في اتجاه تنزيلها، والأطراف المشاركة فيها..

كثر الحديث مؤخرا عن خطة السلام الأمريكية بين الفلسطينيين والصهاينة أو ما يعرف إعلاميا بـ”صفقة القرن”، خطة صرفت من أجلها الولايات المتحدة الأمريكية الكثير من الوقت والجهد، خصوصا مع صعود الرئيس ترامب إلى سدة الحكم، وتجنيده لفريق خاص لقيادة المفاوضات مع رؤساء العديد من الدول العربية ووزرائها، كما تم تكثيف التواصل مع سفراء هذه الدول لما لها من تأثير بشكل أو بآخر في مسار القضية الفلسطينية.

وبالرغم من أن عبارة “صفقة القرن” أصبح الحديث عنها في الإعلام متزايدا ومترددا أكثر من تفاصيلها غير المعلنة، إلا أن الجهات الراعية لها والكواليس المرافقة لها؛ تبقى من أهم المؤشرات الأساسية التي لن تخرج عن الأهداف المؤطرة للاتفاقيات والمعاهدات من مثيلاتها السابقة، التي بدأت مسلسل التطبيع وإقبار القضية بمسميات السلام، بل إتمام لها ومحاولة لدق آخر مسمار في القضية، بتعاون مباشر في التخطيط والتنفيذ من الإخوة الأعداء هذه المرة.

طالع أيضا  ترمب يعلن "صفقة القرن" تصفيةً للقضية.. غضب شعبي رافض وإجماع فلسطيني على التصدّي

وتندرج الجهود الخيالية التي يقوم بها الرئيس ترامب ضمن الوفاء بعهوده التي وعد بها قبيل الرئاسيات الأمريكية سنة 2016 أمام ممولي حملته الأساسيين من رموز اللوبيات الصهيونية الاقتصادية بأمريكا، وقد استهل هذه الوعود بعد نجاحه بتنفيذ أول بند من بنود صفقة القرن بالموافقة على نقل سفارة بلاده إلى القدس والاعتراف بها عاصمة للصهاينة.

صحيح أنه لم تخرج تفاصيل عن خطة ترامب لما قال عنه التسوية إلا ما راج على ألسنة مسؤولين وفي صفحات الجرائد رغم مصادرها المجهولة أحيانا، وصفق لها -طوعا أو كرها- حلفاؤه من قادة الثورات المضادة في العديد من الدول العربية، غير أنها حبلى بتصورات مدروسة لإدارة الصراع، وسترسم حدودا جديدة للقضية بزعم الإدارة الأمريكية إن تم وخرجت للوجود.

لم يكن الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الغاصب النقطة الوحيدة، بل واتخاذ بلدة أبوديس، التي يفصلها جدار عازل عن القدس، عاصمة لفلسطين، والتخلي عن القدس الشرقية، مع ضم أجزاء متقطعة من الضفة الغربية للدولة الفلسطينية الجديدة، كما تسعى الصفقة إلى موافقة الطرف الفلسطيني على بقاء العديد من المستوطنات التي كانت الأمم المتحدة قد طالبت بإيقاف بنائها، إضافة إلى تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق، وإقامة كيان سياسي في غزة، ووضع جسر بين أبوديس والقدس يعبر عليه المسلمون للصلاة في المسجد الأقصى.

كما تهدف خطة ترامب إلى القضاء على حق العودة للاجئين الفلسطينيين؛ من خلال مساع أمريكية لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في دول عربية، على رأسها الأردن ومصر مقابل دعمهما بمساعدات اقتصادية؛ وهو ما تأكد من خلال خطوات اتخذتها إدارة ترامب عبر خفض الدعم الأمريكي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) للنصف، عن طريق تجميد نصف مخصصات الدعم.

ولن تكون الأموال التي يعتمد عليها ترامب أكثر من أموال الخزينة الأمريكية غائبة في الصفقة، بل ستتكفل دول الخليج بتوفير نحو 10 مليار دولار لإقامة الدولة الفلسطينية وبنيتها التحتية، وفق الحدود المرسومة والغايات المحددة.

طالع أيضا  اتفاقية الغرقى

فإن كانت السعودية والإمارات ومصر تظهر انتصارها لصفقة ترامب أكثر من غيرها من دول المنطقة على المستوى الرسمي، بالتطبيع الذي بدا في العلاقات أكثر حماسا من ذي قبل واللقاءات التي لم يعد الإعلام يتحرج في الإعلان عنها وبث معانقة أعداء الأمس؛ فإن الشعوب الإسلامية ومعها أحرار العالم يعرفون جيدا دسائس الصهاينة ودعم الأمريكان لهم، مع دعم الحكام العرب المتعاونين، مقابل التضامن مع الفلسطينيين ورفض مضامين الصفقة على المستوى الشعبي في كل البقاع، بما يؤكد أن هذه الصفقة خاسرة قبل تنزيلها رغم كل الجهود المبذولة في السر والعلن.

ويبقى الهدف الأساسي من صفقة القرن متمثلا في السعي إلى نزع سلاح المقاومة للوصول إلى منطقة بدون مقاومة أو سلاح، ما يؤكد أن مساعي الصفقة ليست حل السلام بقدر ما هي بحث عن الأمان المطلق للكيان الصهيوني الغاصب، مقابل تعميق جراح الفلسطينيين.

تواصلت جهود فريق ترامب الخاص بتدبير صفقة القرن من أجل تمريرها بقيادة صهره جاريد كوشنر، ولم تتوقف من ناحية التخطيط أو من ناحية ربط العلاقات مع الشخصيات المؤثرة في السياسات العربية، لاسيما في دول السعودية والإمارات ومصر والبحرين ودول عربية أخرى، تارة بالأموال والصفقات، وتارات أخرى بالابتزاز من أجل فرض التوجه الجديد للإدارة الأمريكية بتعزيز صورة الكيان الصهيوني في المنطقة وتمكينه من عدة امتيازات.

إن عشرات السنين التي تعاقبت على الفلسطينيين وبعضهم مهجر من دياره والبعض الآخر في الأسر والآخر في اللجوء والنزوح؛ لن تزيدهم إلا إيمانا بقضيتهم، ومعهم ملايين المؤمنين بعدالة القضية، وأن السبيل الوحيد المشروع أمامهم هو الالتفاف حول المقاومة لاسترجاع حقوقهم، وفرض الإرادة التي يسعى مدبرو العالم سرقتها بقوة السلاح والنفوذ.

وتأتي “ورشة البحرين” المقرر عقدها يومي 25-26 الشهر الجاري، وتستضيفها المنامة بالشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية، لبحث الشق الاقتصادي من صفقة القرن، التي يبحث من خلالها خبراء اقتصاديون كيفية بناء شرق أوسط مزدهر ومتطور حسب البرنامج المعلن.

طالع أيضا  البيضاويون يحتشدون أمام سينما "ميغاراما" رفضا لحفل غنائي تطبيعي مع الصهاينة (فيديو)

وإذا كان برنامج الورشة/المؤتمر المعلن عنه يشمل أهداف تطوير البنية التحتية من خلال مجموعة من الأعمال الاقتصادية، والاستثمار في قطاعات واعدة، بنمو اقتصادي ودعم ريادة الأعمال والتجارة الإقليمية وخلق فرص العمل بين الضفة الغربية وغزة ومحيطها الإقليمي، فإنه في الخفاء يشمل أهداف تسريع وتيرة تمرير الصفقة -وهو الشق الأبرز منها- عبر تنميقها وتسويق وهم السلام والتطور والازدهار.