يعد استخدام الفزاعات أمرا دارجا في سلوك المخزن السياسي، فتاريخه هو تاريخ بحث مستمر عن مشاجب يعلق عليها فشله المزمن في تسيير دفة البلاد٬ التي تتيح له التهرب الدائم من مسؤولياته أمام الناس٬ وإخلافه الدائم لمواعيده معهم، فكلما اشتد الضغط الشعبي عليه إلا ويبحث عن مخرج له٬ ليس بنزع فتيل الاحتقان والاستجابة لمطالب الشعب٬ وإنما بالتمادي في صم الآذان وتسفيه تلك المطالب٬ أو إخافة الناس منها عبر الإيحاء بأنها مطالب تصادم توجهات المغاربة ومقدساتهم، ومن ثم شيطنة التيارات السياسية التي تنادي بها من أجل عزلها عن حاضنتها المجتمعية ظنا منه أنه سيتمكن بذلك من إقبار تلك المطالب.

فلمواجهة استحقاق المقاومة إبان الاحتلال روج لفزاعة الفتنة في مواجهة حركة محمد بن عبد الكريم الخطابي المجاهدة٬ الذي كان يلقبه ب “فتان الريف” لإبعاد نموذجه الملهم عن وجدان باقي المغاربة، وفي عصر الاستقلال اشتغلت الدعاية المخزنية على مهاجمة كل من يسائل سياساتها٬ ويعترض على ممارساتها حتى لو كان صاحب مطلب خبزي بسيط٬ ليجد نفسه قد دخل في قوقعة تصنيفات النظام، فهذا عدو للوحدة الترابية وآخر صاحب أجندة إلحادية مشبوهة وآخر إسلامه ليس إسلاما مغربيا أصيلا، وهكذا تتعدد الاتهامات وتتلون حسب التيار المهيمن في تلك المرحلة الذي لا بد أن يكون منبع الشرور كلها.

لا جديد في الصورة إذا، فنحن أمام مقاربة بذاتها لا يتقن النظام غيرها، فلا عقيدة ثابتة ولا مبدأ له، وتعاطيه مع مختلف النخب والتوجهات الفكرية والسياسية في البلاد لا يتم إلا عبر نقطة الولاء له٬ فإن تحقق ذلك فقد حازت رضاه وألحقت بحظيرته بغض النظر عن كل قناعاتها، ففي بوثقة النظام تجد الماركسي جنبا إلى جنب مع الإسلامي والقومي العربي مع نظيره الأمازيغي، لكن ما إن يخرج واحد من هذه التشكيلات بموقف يصادم إرادة النظام وثوابته٬ فإن قناعاته حينذاك تصبح موضع مساءلة ويصبح هو وتوجهه مشكلة في حد ذاتها. الأسوأ من هذا ألا أحد ينجو من هذه التصنيفات العقيمة، فحتى من يحركه دافع وإشكال بسيط٬ كان يمكن حله بقدر من المرونة في أجهزة النظام البيروقراطية٬ يضطر للنضال من أجل استرجاع حقه٬ ويجد نفسه قد وضع في خانة لم تكن لتخطر بباله.

طالع أيضا  د. بنمسعود: الدولة فشلت في ترسيخ ديمقراطية حقيقية بعيدة عن المقاربات السلطوية

 لا ننكر أن أساليب النظام السابقة قد عرفت مستوى من النجاعة فيما مضى، وساهمت في عزل عدد من التيارات وإن لبرهة من الزمن، لكن إعادة استنساخها اليوم مع التحولات العالمية والإقليمية والمحلية الكبرى قد أضحى أمرا باليا وغير مجد، بدليل أن الحركات الاحتجاجية لم تتوقف بل تتناسل وتتوسع رقعتها الجغرافية رغم دعايته، مما يعني أن ضجيج النظام وأجهزته الإعلامية ليس سوى صرخات يائسة في واد مهجور.

ذلك أن المغاربة قد راكموا، من الخبرات ما لم تعد تنطلي معه حيل المخزن عليهم، بعد أن اكتووا بنيرانه ردحا من الزمن، وما كان يقبله المجتمع في السابق ما عاد مقبولا اليوم بفضل زيادة وعيه بحقوقه، ورسوخ ثقافة الاحتجاج لديه حتى بين الفئات غير المهيكلة وغير المؤطرة سياسيا، هذا كله فاقمه الانسداد غير المسبوق في الأوضاع، وإصرار النظام على مزيد من التأزيم والخنق على كافة الأصعدة.

ثم إن موجة الإسلاموفوبيا التي يراهن النظام على الاستفادة منها إسوة بعدد من دول الجوار، لن تجد لها موطئ قدم في المغرب، فتلك البلدان كانت تعاني من تصحر سياسي وحقوقي سهل نفاذ الدعاية السلطوية فيه، أما تنزيل التوجهات الاستئصالية في واقعنا فهو لعب بالنار، فحتى لو تم استئصال جماعة العدل والإحسان والتنكيل بالمنتسبين إليها وتغييبهم في سجون ومعتقلات النظام هل ستعالج أزمات المغرب المستفحلة وهل ستتوقف الحركة الاحتجاجية أم أن ذلك سيعجل بانفجار حاد في جسد، منعت عنه السلطة المسكنات التي كانت تقوم بتهدتئه بها، فتحول إلى جسد محتقن ما عاد لديه شيء ليخسره.

زمن الفزاعات السلطوية قد ولى إلى غير رجعة، وما يفعله المخزن اليوم ليس إلا تنفيسا عن غضبه من فشله في لجم الحركة الاحتجاجية، وفي ثني أفواج من المغاربة عن الانخراط في معاركها النضالية، ويرتد عليه بشكل عكسي، فبدل إخافة الناس من تلك الكيانات فإنه يقدم دعاية مجانية لها، فتزيد من تعاطف الناس معها ما دامت في مرمى نيران السلطة، وما دامت تدفع ثمن مواقفها الداعمة لهم ولنضالاتهم.

طالع أيضا  ذ. أرسلان يرصد التحديات التي اعترضت مشاركة الإسلاميين في الحكم ويستشرف المستقبل