يعيش المغاربة في الأشهر الأخيرة على صفيح ساخن، جراء الاحتجاجات التي عرفتها، وما تزال، عدة قطاعات ومدن وأرياف ينتمون إلى حيثيات اجتماعية ونقط جغرافية مختلفة، رافضين سياسات التهميش والتفقير التي تنهجها الدولة في حقهم، ومطالبين إياها باحترام الحقوق والحريات الأساسية والعيش الكريم وضمان الكرامة الإنسانية التي ينشدها كل إنسان حر.

هكذا احتج أكثر من 18 ألف طالب ينتمون لست جامعات عمومية للطب والصيدلة بالمغرب على سياسة الدولة في القطاع، والتي نتج عنها سوء جودة التدريب، وظاهرة الاكتظاظ وقلة الأساتذة المؤطرين، منادين بتحصين الجامعة العمومية من سطو الجامعات الخاصة على إمكاناتها والفرص المتاحة لها على قلتها، توجت هاته الاحتجاجات أمام عدم تجاوب الدولة مع مطالبهم المشروعة بمقاطعة اجتياز الامتحانات بنسبة قاربت 100 % مع التهديد بسنة دراسية بيضاء.

وقبل هذا الملف خاض أكثر من 55 ألف أستاذ فرض عليه التعاقد معركة نضالية دامت لشهور، احتجاجا على عدم مساواتهم مع زملائهم في الأسرة التعليمية، الأمر الذي يرون فيه تهديدا لاستقرارهم المهني وأمنهم الوظيفي، مما أدى إلى حرمان أكثر من 300 ألف تلميذ من الدراسة لمدة شهور حسب إحصاء رسمي صادر عن الوزارة الوصية.

ولعل ملف الريف من أهم الملفات التي حازت أكبر تضامن مع أصحابه، بالنظر إلى كونه حراكا شعبيا سلميا دام إلى حد الآن أكثر من سنتين، الذين طالبوا بتنمية اقتصادية واجتماعية للمنطقة، وبفك عزلة التهميش والتمييز عنها، ورفع حالة التطويق الأمني والعسكرة التي خنقت جل مدن وقرى الريف.

لكن للأسف، لم تعتمد الدولة مقاربة الإنجاز والاستجابة للمطالب الاجتماعية حتى يتم تجاوز الوضع المتوتر، بل اختارت، كعادتها، المقاربة الأمنية لعلاج تلك الأزمات التي تعيشها المنطقة لأجيال عديدة منذ ستينيات القرن الماضي.

إن مرد الاحتقان الاجتماعي والسياسي والأمني الذي تعيشه المنطقة وباقي ربوع الوطن تتحمل فيه الدولة المسؤولية الكاملة، نتيجة نهجها للسياسة القمعية في التعاطي مع الحراكات الشعبية السلمية والحضارية، المؤطرة بمطالب اقتصادية واجتماعية وحقوقية عادلة ومشروعة.

طالع أيضا  ديربي الشرق أم حرب "داحس والغبراء"؟

كما عمدت إلى شيطنته وتخوين نشطاء هاته الحراكات الاجتماعية والقطاعية، موظفة في ذلك المساجد والأحزاب الموالية وعلماء البلاط و”العياشة” والمنابر الإعلامية الرسمية والجمعيات التي تقتات من هبات الدولة، خاتمة المشهد باعتقال المئات منهم ومتابعتهم بجنح وجنايات خطيرة والحكم عليهم بعشرات السنين بغية كبح الحراك ونزع فتيله في أفق إقباره.

يا سادة؛ إن الوضع في المغرب أصبح لا يحتمل، فأينما ولّيت وجهك تجد غلاء للأسعار، وتمييعا للمشهد السياسي، وخنقا للحريات، واعتقالات بالجملة، وقمعا للاحتجاجات السلمية، وترسيبا للأساتذة الأكفاء، وتشميعا للبيوت مع طرد أصحابها منها، وإعفاء خيرة الأطر من مهام ومسؤوليات بالوظيفة العمومية بدون موجب حق ولا قانون، خارقين بذلك العهود والمواثيق الدولية وروح الدستور والقوانين المنظمة للوظيفة العمومية، كان آخرها إقدام وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي على إصدار قرار جائر وانتقامي يقضي بالتوقيف عن العمل وإيقاف الأجرة والإحالة على المجالس التأديبية لكل من البروفسور أحمد بالحوس عضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي وأستاذ بكلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء، والبروفسور إسماعيل رموز أستاذ التعليم العالي بكلية الطب والصيدلة بأكادير، والبروفسور سعيد أمال أستاذ التعليم العالي بكلية الطب والصيدلة بمراكش عضوي اللجنة الإدارية للنقابة الوطنية للتعليم العالي، وهي قرارات لا تحمل أي تعليل أو تبرير غير القول بـ“إخلالهم بالالتزامات المهنية”!!!  في حق من يشهد لهم القريب والبعيد بانضباطهم وكفاءتهم والتزامهم المهني والأخلاقي.

هذا الواقع الكئيب، الذي لا يرتفع، أكدته جل التقارير الحقوقية الوطنية والدولية.

ولعل أبرز تجلّ لهذا الوضع الحقوقي والأمني والقضائي والسياسي المتردي هو إفلات العديد من المسؤولين من العقاب والمساءلة في ملفات شهداء الحراك المغربي، وسوء تدبيرهم للشأن العام على طول ثمان سنوات الأخيرة، بحيث إن كل ملفاتهم حفظت إلى حين العثور على الفاعل أو أغلقت بشكل نهائي؛ وهو ما يكرس مسألة الإفلات من العقاب وانتهاج الدولة مقاربة “كسر العظام” مما يصعب من نجاح تجربة العدالة الانتقالية وتحقيق أي تنمية تذكر لهذا البلد، وإلى مزيد من الاحتقان.

طالع أيضا  صرخات شعبية سلمية ضد "الحكرة" بالمغرب تُعاقَب بقرون من الاعتقال

يا عقلاء، سارعوا إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان؛ فالوضع أصبح مثل صندوق كبريت بين كفي عفريت قد يشتعل لا قدر الله في أية لحظة، وحينها يصعب التحكم في نيرانه، فيأتي على الأخضر واليابس، نسأل الله تعالى اللطف والسلامة لوطننا الحبيب.