ارتقى الدكتور محمد مرسي شهيدا إلى جنان الخلد، وبقي اسمه رمزا مخلدا ملهما لأجيال وأجيال من أبناء الأمة، لم يبع دينه ولم يستكن ومكث شامخا في سجنه الانفرادي أقوى من سجانيه وجلاديه الانقلابيين، حتى أسلم روحه لباريها يوم 17 يونيو 2019، في صورة جلية لقوله تعالى “من المومنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه”.تعرض أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر للقتل البطيء، بالإهمال الطبي وحرمانه من التداوي والدواء والأكل، وسجنه في زنزانة انفرادية لمدة ست سنوات، لقي فيها من الإهانة ما لا يعلمه إلا الله، في إصرار لإذلاله وكسر شوكته وقتل إرادته، ومن ورائه قتل إرادة ملايين المصريين الذين ظل رمزا لقضيتهم بعد سرقة آمالهم في بناء نهضة مصرية قائمة على الديمقراطية وعلى شرعية الانتخاب، فتحول المشهد بعجب، إلى عقيدة التمكين لقوة السلاح بسفك الدماء والاعتقال وقتل الكرامة الآدمية بدون حسيب ولا رقيب، بدعم مفضوح من الغرب الذي فتح عواصمه للرئيس الانقلابي الدموي عبد الفتاح السيسي والتطبيع معه، وتنكر شديد لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

نشأته وتكوينه

ولد محمد مرسي العياط يوم 20 غشت 1951 في قرية العدوة بمحافظة الشرقية، ونشأ فيها وسط عائلة مصرية بسيطة لأب فلاح وأم ربة منزل وهو الابن الأكبر لهما، وله من الأشقاء أختان وثلاثة من الإخوة. تزوج عام 1978، وكانت زوجته التي لم تكمل الدراسة الجامعية، تنشط في العمل الدعوي والاجتماعي من خلال قسم التربية بجماعة الإخوان المسلمين. وله خمسة أولاد وثلاثة من الأحفاد.حفظ القرآن الكريم في محافظة الشرقية، وتعلم في مدارسها، وانتقل إلى القاهرة للدراسة الجامعية بكلية الهندسة 1970-1975. وتخرج من الجامعة بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف وعين معيدا بها.

خدم بالجيش المصري في 1975-1976 جنديا في سلاح الحرب الكيمياوية بالفرقة الثانية مشاة، وبعد انتهاء تجنيده بالجيش استأنف عمله معيدا بالكلية، ونال درجة الماجستير في هندسة الفلزات جامعة القاهرة عام 1978، قبل أن يعمل مدرسا مساعدا بالكلية، بعدها حصل على منحة دراسية من جامعة جنوب كاليفورنيا بالولايات المتحدة، فحصل على الماجستير في الطاقة الشمسية عام 1978 ثم حصل على الدكتوراة عام 1982 في حماية محركات مركبات الفضاء.العمل المنظم والمسار السياسي

اقتنع الدكتور محمد مرسي بالتوجه الإسلامي، وانتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين فكريا عام 1977، قبل أن ينخرط في هياكلها عام 1979، ونال عضوية قسمها السياسي منذ نشأته عام 1992 ثم عضوية مكتب الإرشاد أعلا هيئة قرار في الجماعة.انتخب عضوا في مجلس الشعب المصري لدورة 2000-2005، وترأس الفريق البرلماني للجماعة فيها، وتم اختياره “أفضل برلماني في العالم” عبر أدائه البرلماني في تلك الفترة.

طالع أيضا  إدانات تنفيذ حكم الإعدام بمصر تتواصل

تم اعتقاله مرات عدة، منها اعتقال سبعة أشهر في ماي 2006 من أمام محكمة شمال القاهرة ومجمع محاكم الجلاء بوسط القاهرة، بعد مشاركته في مظاهرات شعبية احتجاجا على تحويل قاضيين إلى لجنة الصلاحية لموقفهما من تزوير انتخابات مجلس الشعب 2005.ويعد محمد مرسي من مؤسسي حزب الحرية والعدالة، وانتخبه مجلس شورى الإخوان يوم 30 أبريل 2011 رئيسا للحزب.

مرسي الثورة

شارك الدكتور مرسي إلى جانب قيادات الإخوان والشعب المصري في مظاهرات ثورة 25 يناير التي عرفتها مصر 2011، واعتقلته السلطات المصرية في سجن وادي النطرون صباح جمعة الغضب يوم 28 يناير مع قيادات أخرى من جماعة الإخوان، وحررهم الأهالي يوم 30 يناير بعد ترك قوات الأمن للسجون أثناء الثورة.بعد نجاح الثورة، وحين أشرفت مصر على عهد جديد من الحرية والديمقراطية، شارك الدكتور مرسي في الانتخابات الرئاسية ممثلا رسميا لجماعة الإخوان المسلمين عن طريق حزب الحرية والعدالة، ولم يكن المرشح الأول للجماعة لهذا المنصب، بل جاء ترشيحه إجراء احتياطيا، حيث حل في الانتخابات الداخلية بين قادة الجماعة ثانيا بعد المهندس خيرت الشاطر، النائب الأول للمرشد العام للجماعة، الذي تم استبعاده من طرف لجنة الانتخابات الرئاسية ضمن عدد من الشخصيات من الترشح لمنصب رئيس البلاد.

ونجح مرسي يوم 24 يونيو 2012، بعدما أعلنت لجنة الانتخابات الرئاسية المصرية فوزه في الجولة الثانية من الانتخابات بنسبة 51.7%، بينما حصل أحمد شفيق منافسه ورئيس آخر حكومة في عهد مبارك على 48.3%. ليؤدي مرسي اليمين الدستورية رئيسا لمصر أمام المحكمة الدستورية يوم 30 يونيو 2012.وتسلم مرسي حكم مصر التي أثقلتها سياسات عقود من الفساد والاستبداد العسكري، ورفع شعار “نهضة مصر”، وأعلن أنه رئيس لكل المصريين وأن حكومته ستمثل كل المصريين.

طالع أيضا  مصر ما بعد الانقلاب.. أربع سنوات من الانتهاكات الحقوقية

ولم تكتمل أحلام المصريين باستكمال ثورتهم  وبناء دولة المؤسسات حتى قاد العسكر ثورة مضادة، ودبرت القوات المسلحة في شخص الفريق عبد الفتاح السيسي وبدعم جمع من القوى السياسية وعلماء دين انقلابا عليه في 3 يوليو 2013 وعلقت العمل بالدستور مؤقتا، وكلفت رئيس المحكمة الدستورية عدلي منصور بالإشراف على تسيير شؤون البلاد في المرحلة الانتقالية، وكل ذلك بحجة الاستجابة لاحتجاجات يوم 30 يونيو 2013 التي قادتها حركة تمرد بدعم من الدولة العميقة.معاناته في السجن

بعد الإطاحة بالرئيس الشرعي المنتخب تم اعتقاله وزوجته، وتم فض اعتصامي رابعة والنهضة يوم 14 عشت 2013، في إحدى أكثر المجازر دموية في العصر الحديث وراح بذلك المئات من الشهداء، والآلاف من المعتقلين.ليمكث الرئيس الشرعي المنتخب في السجن الانفرادي، وتوجه إليه تهم كثيرة متعددة وغريبة منها “التخابر مع حماس”، ولم تزد الدكتور مرسي هذه التهم إلا رمزية ورسوخا في عقول أجيال قات تطلب الحرية والكرامة، فهو الرجل الذي ضحى بحريته وحياته من أجل حياة شعب مصر ونهضته.

وراح مرسي يكشف بين الفينة والأخرى عن مستجدات صحته وهي تنقضي في سجن انفرادي، فبدأت بالانهيار لما كشف مؤامرة ضده في طعام امتنع عن أكله يوم 22 يونيو سنة 2015، وتوالت المستجدات بعدها تارة عبر كلامه الذي كان يسمع داخل القاعات الزجاجية أو وراه القضبان في محاكماته، وتارة عبر عائلته التي دقت ناقوس الخظر في أكثر من مرة، محذرة من أنه يعاني أمراضا مزمنة وإهمالا طبيا خطيرا، لاسيما أمراض الكبد والسكري وضغط الدم، زيادة إلى قصور في الكلى في غياب تام لأية عناية، أو مواكبة طبية، أو تمكينه حتى من التداوي على نفقته الخاصة.هكذا تم التخطيط من قبل النظام الانقلابي بدعم من الغرب والصهاينة، لتصفية رجل شامخ، صاحب فكر ومشروع نهضوي لمصر وللأمة الإسلامية والعربية، لكن تصفيته، وما أعقبها من تعاطف شعبي كبير، لا شك تضخ القوة في شرايين المؤمنين بعدالته وقضية الشعوب التواقة إلى التحرر من التبعية القاتلة، وبناء أمة مستقلة بمكانتها اللائقة بين الأمم.رحم الله الشهيد محمد مرسي وتقبله عنده مع شهداء رابعة والنهضة وشهداء الأمة الإسلامية جمعاء.

طالع أيضا  #الحياة_للبلتاجي.. رواد التواصل الاجتماعي يتضامنون مع المعتقل السياسي بعد تدهور صحته