جُبلت الأنظمة السلطوية، ومن فرط استعلائها، على ألا تعترف بتقصير أو فشل، فالحق ما تراه، والرشاد ما تقرره، ومن زاغ عن صراطها فهو غاوٍ، مُشوش، عدميّ. وكل فشل أو إخفاق، فهو من تدبير فئة غاوية مشوشة عدمية متآمرة على مسلسل “الإصلاح” متذمرة من النجاحات المبهرة توفيرا لأسباب الحياة الكريمة للمواطن، واجتثاثا للفقر والعوز والهشاشة.

ولحكمة يعلمها المخزن وثعالبه العجوزة، تتنوع هذه الفئة الغاوية المشوشة العدمية لتشمل أطيافا من المرجعيات والمذاهب الإيديولوجية، من أقصى اليسار، إلى أقصى اليمين؛ تنوعٌ يوفر للمخزن “الخصم/الضحية” التي تناسب النازلة.

وتتصدر جماعة العدل والإحسان القائمة، فلا يكاد يطفو ملف اجتماعي ويتبلور، حتى تزج الماكينة الإعلامية المخزنية باسم الجماعة في محاولة لشيطنة الفعل الاحتجاجي ترهيبا للشعب من مساندته والانخراط فيه، وصرفا للنظر عن دوافعه ومسبباته.

في هذا السياق، جاءت قرارات توقيف ثلاثة أساتذة أطباء من أطر الجماعة تفاعلا مع نجاح مقاطعة طلبة كلية الطب والصيدلة لاستحقاقات الدورة الربيعية (يونيو 2019)، رغم حملات الوعيد والتهديد للوزارتين الوصيتين على القطاع؛ توقيف وإحالة على المجلس التأديبي بدعوى الإخلال بالالتزامات المهنية.

وتزامنا مع قرار التوقيف، جاء قرار تشميع أربعة بيوت لأعضاء الجماعة في مدن مراكش وتطوان والمضيق، لتضاف إلى لائحة البيوت المشمعة وإعفاءات الأطر وترسيب الأساتذة المتدربين؛ إجراءات تعسفية وعارية من أي سند قانوني في حق الجماعة جزاء مواقفها الواضحة من تدبير الشأن العام للعباد وفضحها للفساد، وجزاء تمنّعها عن الانبطاح والتسليم بهيمنة الاستبداد ومصادرة إرادة الشعب قبل ثرواته ومقدراته.

وإذا كانت القرارات التعسفية الطائشة أضحت “ميزة” نظام فقد البوصلة، فالجديد في قرارات توقيف الأساتذة الأطباء هو منسوب “الجرأة” التي تم تسجيله، حيث تكفل السيد الوزير الناطق الرسمي نيابة عن الحكومة “الموقرة” بُعيد المجلس الحكومي (13/6/2019) ليعلن جماعة العدل والإحسان مسؤولة حصرية عن مقاطعة طلبة كليتي الطب والصيدلة للامتحانات الربيعية، ويتهمها رسميا بتحريض الطلبة، وبالتالي إضفاء “الشرعية” على قرارات التوقيف في حق ثلاثة من أطرها.

طالع أيضا  كشفا لبهتان "الإخلال بالالتزامات المهنية".. معالم من السيرة العلمية والمهنية للبروفيسور أحمد بالحوس

وا أسفاه، كيف ينحط تدبير الشأن العام إلى هذا الدرك والإسفاف؟ فإذا كانت الجماعة وراء حراك 20 فبراير، واحتجاجات الريف وجرادة وزاكورة والأساتذة المتدربين والأساتذة المتعاقدين والمتصرفين والممرضين وأساتذة السلم/الزنزانة “9” والطلبة الأطباء، إذا كانت الجماعة بهذه الدينامية والحضور المجتمعي، فالأَوْلى أن تحاور ويطلب مشروعها المجتمعي لإنقاذ البلاد والعباد من هذا التردي المطرد المهدد للاستقرار المجتمعي.

كفاكم -معشر الجاثمين- على صدر الشعب استخفافا بذكاء الشعب واستغفاله، فالوعي المجتمعي أرقى وأنضج من أن يعبأ بهذه الترهات، وأنتم بين خيارين: الاصطفاف مع قضايا الشعب والتجاوب مع نبضه ومطالبه، أو إعلان فشلكم في تدبير الشأن العام.

أما جماعة العدل والإحسان، فهي بحمد الله لا تركع لغير الله، ولا تساوَم على مواقفها وانحيازها للشعب، ثابتة بفضل الله على نهجها الذي خبره الشعب، صامدة للقصف – إن شاء الله – مهما كان الثمن، إلى أن يُحدث الحق سبحانه أمرا كان مفعولا. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (سورة يوسف:21).