تعليم القرآن

عن عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه” 1.

فجلس أبو عبد الرحمن السُلمي يُقرئ القرآن ثلاثين سنة في مسجد رسول الله عليه السلام، وقال: ما أجلسني إلا هذا الحديث.

وعند البخاري رحمه الله “بَابُ تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ القُرْآنَ”: معلم القرآن شمعة في زاوية المدرسة تشع، تنيـــر الدرب لمـن جاء يتعلم، من جلس إليه يسعد، ومن صحبه يفلح، فلا يؤخذ القرآن إلا من أفواه الربانين، فهو حقا مدرسة قرآنية متنقلة عبر الأجيال والأزمنة والأمكنة.

هو رمز للوفاء وبحفزه يسهل الارتقاء، يبث في عقول طلابه من صنوف المَثلات ما يجد غرسه من جميل الهدايات، فيلقنهم الآيات تلو الآيات، حتى يروي غليلهم ويشفى عليلهم بفيض ما يبث فيهم من معاني الإيمان في القلوب، ويأسرهم بما جاء من قصص وأمثال عن علام الغيوب، ينتشلهم من زقاق الغفلة ويضعهم على طريق الجادة، يمنع عنهم الشرود في دروب الهوى، ويأخذ بنواصيهم إلى سبيل التقى، ينصب لهم  مائدة القرآن ويناديهم أن هلموا، ويحفزهم للإقبال عليها بشوق ولهف، وحب وشغف، شعاره قول الشاعر:

ورحت تبني منارات العلا شهبـا ** وتوقـد الحلـم آمـالا وأفراحـا

حملتَ هم بنـاء الجيـل متخـذا ** من درب أحمد للأمجـاد مفتاحـا

لا يتسرب اليأس والقنوط منطقه، فلا يستعجل البذرة خراجها ولو بعد حين. مستحضرا قول الشاعر:

ورحت تستوعب الطلاب مصطبرا ** فذا ثقيل، وذا مـا انفـكّ مزّاحـا

وذا مريض وفي عينيه بعض عمى ** وذا أصمّ وعنه الركب قـد راحـا

وذا عليل، ففـي أعضائـه وجـع ** وفي الخلايا دبيب منه ما انزاحـا

وذا بطـيء بطـيء فـي تعلّمـه ** لا يفهم الدرس مهما كنت شَرّاحـا

وأهمس مسك ختام، في أذن كل أب همام، أن سارع أخي لتعليم أبنائك ولو سورة الفاتحة، ولا تدع من يسبقك إلى ذلك، حتى تنعم ببركتها في حياتك وبعد مماتك، ذكر ابن السمعاني أن الشيخ أبا منصور الخياط رؤي في النوم فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي بتعليم الصبيان فاتحة الكتاب 2.

طالع أيضا  التلازم بين القرآن والنبوة

[1] صحيح البخاري، كِتَاب الْجُمُعَةِ، بَاب “خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ”.
[2] عبد الحي بن أحمد العكري الدمشقي، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ج3، ص406.