توطئة

لليلة القدر مكانة عظيمة وفضل عظيم عند المسلمين، وهو أمر ورد في الحديث الشّريف عن الرّسول عليه السّلام: (مَن صامَ رمضانَ، وفي لفظٍ، مَن قامَ شَهْرَ رمضانَ إيمانًا واحتِسابًا، غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ، ومَن قامَ ليلةَ القَدرِ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذَنبِهِ) 1، وقد حرص المسلمون على تحرّي هذه الليلة من العشر الأواخر من رمضان طمعاً بالأجر والثواب المضاعف.

وتعتبر ليلة القدر أفضل الليالي التي وهبنا الله إياها، لما لها من فضل عظيم في الدنيا والآخرة، وهي ليلة تعادل ألف شهر، أي ما يزيد عن 83 عاما، وسميت بذلك لعظيم قدرها وشرفها، والله يقدر فيها أمر العباد إلى السنة القابلة، وليلة القدر باقية إلى قيام الساعة، عن أنس رضي الله عنه قال: (العمل في ليلة القدر والصدقة والصلاة والزكاة أفضل من ألف شهر).

1)     أصل التسمية: ليلة القدر

تعدّدت آراء العلماء حول سبب تسمية ليلة القدر بهذا الاسم، إلا أن الغالب هي خمسة آراء، والجدير بالذكر أنّه لا يُشترط أن يكون سبب تسمية هذه الليلة واحدة من هذه الآراء، فقد يكون بسببها كلّها، أو بعض منها، وهذه الآراء هي كالآتي:

– نزل في هذه الليلة كتاب قدير، يحمله مَلَك قدير إلى رسول قدير، لأمّة ذات قدر عظيم. قال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ 2.

– القدر لغويّاً هو الضيق، بالاستناد إلى الآية الكريمة: وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ 3، فتضيق هذه الليلة بسبب عدد الملائكة الهائل النازلين من السماء ليحفّوا المسلمين في قيامهم وتهجّدهم لهذه الليلة العظيمة.

– القدر يعني التعظيم، وهو بالاستناد إلى ما ورد في الآية الكريمة من القرآن الكريم: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ 4.

– ليلة القدر تعني التقدير، ففيها يُكتب قدر كل الناس؛ من مطر، ورزق، وحياة، وممات، وغيرها، قال تعالى في كتابه العزيز: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ 5.

وفي ليلة القدر يكثر عمل المسلم، فيصير ذا قدر ومكانة عالية عند الله تعالى.

طالع أيضا  أحاديث نبوية في فضل رمضان (1) فضل الصوم

2)     وقت ليلة القدر وبعض علاماتها

عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان) 6.

ليلة القدر ترى بالعيان، وذلك من خلال رؤية علاماتها، ويشعر بها المؤمن في قلبه، ومن علامات ليلة القدر ما يأتي: تظهر الشمس في صباح هذه الليلة دون شعاع، قال صلى الله عليه وسلم: (صبِيحةَ ليلةِ القدْرِ تَطلُعُ الشَّمسُ لا شُعاعَ لها؛ كأنَّها طِسْتٌ حتى تَرْتَفِعَ) [صحيح]، وذلك لكثرة حركة الملائكة فيها، فتحجب ضوء الشمس إلى الأرض. كما يظهر القمر فيها مثل شق جفنة، والشق هو نصف الشيء، والجفنة هي القصعة. ويكون جو ليلة القدر معتدلاً لا حاراً ولا بارداً. لا يرمى في هذه الليلة نجم، فلا ترى الشهب فيها تنزل على الشياطين.

3)     فضائل ليلة القدر

لقد نوّه الله بشأن ليلة القدر، وأظهر عظمتها، فقال جل وعلا: وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ 7، فمن تُقبِّل منه فيها، صارت عبادته تلك تفضل عبادة ألف شهر، وذلك ثلاثة وثمانون عاماً وأربعة أشهر، فهذا ثواب كبير، وأجر عظيم، على عمل يسير قليل.

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدم من ذنبه” 8، يحييها الإنسان تصديقاً بوعد الله بالثواب عليه، وطلباً للأجر، لا لشيء آخر، والعبرة بالاجتهاد والإخلاص، سواء علم بها أم لم يعلم.

فلتحرص أيها الأخ الكريم والأخت الكريمة على الصلاة والدعاء في تلك الليلة، فإنها ليلة لا تشبه ليالي الدهر، فخذ أيها الإنسان بنصيبك من خيرها الحَسَن، واهجر لذة النوم وطيب الوَسَن، وجافِ جنبيك عن مضجعك الحَسَن.

طالع أيضا  ذ. عبادي: لابد أن نخرج من هذا الرباط بقلوب طاهرة تحمل معاني الحب لخلق الله جميعا

4)     ما يجب على المؤمن إتيانه في ليلة القدر

وينبغي للإنسان أن يشغل عامة وقته بالدعاء والصلاة، قال الشافعي: استحب أن يكون اجتهاده في نهارها، كاجتهاده في ليلها. وقال سفيان الثوري: “الدعاء في الليلة أحب إلي من الصلاة”، فالدعاء في ليلة القدر، كان مشهوراً ومعروفاً عند الصحابة، فلتحرص أيها الأخ الكريم، والأخت الكريمة على تخيّر جوامع الدعاء الواردة في الكتاب العزيز، والتي كان يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم، أو أرشد إليها، ولنعلم جميعاً أنه ليس لليلة القدر دعاء مخصوص لا يُدعى إلا به، بل يدعو المسلم بما يناسب حاله، ومن أحسن ما يدعو به الإنسان في هذه الليلة المباركة، ما أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة عن عائشة رضي الله عنها قالت: “لو علمتُ أي ليلةٍ ليلة القدر، لكان أكثر دعائي فيها أن أسأل الله العفو والعافية” الخبر. وهكذا يحرص كل مسلم أن يدعو بالأدعية الجامعة من دعوات النبي صلى الله عليه وسلم، الواردة عنه في مقامات كثيرة، وأحوال خاصة وعامة.
قال النووي: ويُستحب أن يُكثر فيها من الدعوات بمهمات المسلمين، فهذا شعار الصالحين، وعباد الله العارفين.

في الختام

ومن نظم 9 الإمام المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمة الله عليه في هذه المناسبة الربانية الغالية قوله:

            ليْلةَ القَدْر حَلَلْتِ بنا ** مرحباً يا ليلةَ القَدْرِ

أنتِ فينا رحمةٌ نزلَتْ ** أنتِ فينا غُرَّةُ الدَّهْرِ

برَكاتُ الله تَكْلَأُنا ** فيكِ حَتّى مطلَعِ الفَجْرِ

ليْلَةَ القُرآنِ طِيبِي لنا ** بتِلاواتٍ وبالذِّكْرِ

وَتَرَاويحَ تُجَمِّعُنا ** فِي مَحاريبَ لَنَا زُهْرِ

ربِّ نَوِّرْنا بلَيْلتِنا ** نوِّرِ القلْبَ مَدَى العُمْرِ

صل يا رب على المصطفى ** هُوَ مِنّا آيةُ الطُّهْرِ

اللهم يا من خلق الإنسان وبَنَاه، واللسانَ وأجراه، يا من لا يخيب من دعاه، هب لكلٍّ منا ما رجاه، وبلّغه من الدارين مُناه، اللهم اغفر لنا جميع الزلات، واستر علينا كل الخطيئات، وسامحنا يوم السؤال والمناقشات، وانفعنا وجميع المسلمين بما أنزلته من الكتاب يا أرحم الراحمين.

طالع أيضا  أخي شد مئزرك

 


[1] رواه الألباني، في صحيح النسائي، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 2201.
[2] سورة القدر، الآية 1.
[3] سورة الطلاق، الآية 7.
[4] سورة الزمر، الآية 67.
[5] سورة الدخان، الآية 3-4.
[6] متفق عليه، واللفظ للبخاري.
[7] سورة القدر، الآيتين 2، 3.
[8] خرّجه البخاري ومسلم.
[9] من ديوان قطوف للإمام عبد السلام ياسين.