تدبر القرآن

لا غرو أن فقه البخاري في تبويبه، قال رحمه الله: باب الترتيل في القراءة وقوله تعالى ورتل القرآن ترتيلا وقوله وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث وما يكره أن يهذ كهذ الشعر،  فعن عبد الله قال: غدونا على عبد الله فقال رجل: قرأت المفصل البارحة، فقال: هذا كهذ الشعر، إنا قد سمعنا القراءة وإني لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة سورة من المفصل وسورتين من آل حم 1.

علق ابن حجر رحمه الله في الفتح؛ باب الترتيل في القراءة: أي تبيين حروفها والتأني في أدائها ليكون أدعى إلى فهم معانيها، قوله: (وقوله تعالى: ورتل القرآن ترتيلا) كأنه يشير إلى ما ورد عن السلف في تفسيرها، فعند الطبري بسند صحيح عن مجاهد في قوله تعالى: ورتل القرآن قال: بعضه إثر بعض على تؤدة. وعن قتادة قال: بينه بيانا. والأمر بذلك إن لم يكن للوجوب يكون مستحبا.

قوله: (وما يكره أن يهذ كهذ الشعر) كأنه يشير إلى أن استحباب الترتيل لا يستلزم كراهة الإسراع، وإنما الذي يكره الهذ وهو الإسراع المفرط بحيث يخفى كثير من الحروف أو لا تخرج من مخارجها.

وعند أبي عبيد من طريق مجاهد أن رجلا سأله عن رجل قرأ البقرة وآل عمران ورجل قرأ البقرة فقط، قيامهما واحد ركوعهما واحد وسجودهما واحد؟ فقال: الذي قرأ البقرة فقط أفضل. ثم تلا وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث، وعن أبي حمزة “قلت لابن عباس: إني رجل سريع القراءة، إني أقرأ القرآن في ليلة. فقال ابن عباس: لأن أقرأ سورة أحب إلي. إن كنت لا بد فاعلا فاقرأ قراءة تسمعها أذنيك ويوعها قلبك” 2.

التدبر مادته تدور حول مآلات الأمور وعواقبها وما ترجع إليه، وصولا إلى  أواخر دلالات الكلم ومراميه ومقاصده، وهو جمع بين الرحمة القلبية والحكمة العقلية قصد بيان وتبين معان جديدة يحتملها النص القرآني وفق قواعد اللغة العربية، وهو قبل ذلك امتثال لأمر الله سبحانه وتعالى الذي حثنا عليه فقال سبحانه: أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (النساء: 82)، ووبخ آخرين فقال أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (محمد: 24).

طالع أيضا  وقفات مع أحاديث حول فضل القرآن وأهله (2)

فكتاب الله بحر فائض من الخيرات ورية، وعطية من الرحمن للعالمين أبدية، يسعد بها من جلس إليه وتأمل.

“القرآن الكريم يعطيك معان غير محدودة في كلمات محدودة” كما قيل، لذا كان سلفنا يقفون مع الآية لا يتجاوزونها الليلة كلها، فقد صح عن النبي صلى الله عليه السلام أن كان يكرر الآية الواحدة عشرات المرات، وأنه قام الليل وهو يكرر قوله تعالى إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (المائدة: 118).

فرب وقفة تفكر وتدبر في لحظات صفاء حتى يورى زندك وتظلم الدنيا في عينك فتكون سببا في تغيير مسار حياتك، وبذلك نال الصحابة الرفعة عند الله، ثم سار التابعون على أثرهم، فارتقوا بالقرآن حتى جعلهم الله سادة للأمم.

وأختم بفائدة من فوائد  ابن القيم، لمن رام الِانْتِفَاع بِالْقُرْآنِ “اجمع قَلْبك عِنْد تِلَاوَته وسماعه، وأَلْقِ سَمعك، واحضر حُضُور من يخاطبه بِهِ من تكلّم بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْهُ إِلَيْهِ، فإنه خَطاب مِنْهُ لَك على لِسَان رَسُوله. قَالَ تَعَالَى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد3.


[1] صحيح البخاري، كِتَاب الْجُمُعَةِ، بَابُ مَنْ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَنَ.
[2] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري في شرح صحيح  البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب الترتيل في القراءة.
[3] الفوائد، ابن القيم دار الكتب العلمية – بيروت، ط 3، 1393 – 1973.