تحل بنا الذكرى الثامنة لاغتيال الشهيد كمال عماري؛ الشاب الذي خرج ضمن الحراك العشريني سنة 2011 مطالبا بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية مؤمنا بسلمية الوسيلة، منتظرا تجاوبا مع مطالبَ مشروعةٍ تُسائل الدولة عن الاقتسام العادل للخيرات واعتبار كل المواطنين شركاء في وطن لهم فيه نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، والأصل أن تُسير شؤونهم مؤسسات حقيقية حريصة عليهم لا واجهات صورية تنفذ ما يُملى.

كان السياق مرتبطا بربيع عربي وكان هدف المخزن الالتفاف على المطالب بإجراءات شكلية بادئ الرأي قبل أن ينتقل بعد انكشاف الزيف إلى القمع كوسيلة لمواجهة الحراك، قمع لم يترك مدينة إلا ووضع بصمته الدموية عليها بكل وسائل الضرب والجرح والاختطاف.

لم تكن مدينة الشهيد أسفي خارج هذا الاعتبار، بطبيعة الحال، حيث بدأ الاختطاف والتهديد والمنع كأسلوب سبق يوم الأحد الأسود 29 ماي 2011 الذي كانت فيه المدينة على موعد مع حصار أمني وعسكرة من كل جانب، خطاب القمع كان هو السائد في كل الأزقة ومنها حي دار بوعودة الذي كان يعرف تنظيم وقفة سلمية شارك فعالياتها كمال عماري رحمه الله الذي استهدفته الهراوات الغادرة، وتناوب على تعذيبه بالشارع العام سبعة من رجال الأمن ضربا ورفسا وتنكيلا، لم يكن في نيتهم فض الوقفة وحسب بل كان الانتقام خيارهم الأول حيث لم يتركوا الشهيد قبل التأكد من الإجهاز عليه وعدم تمكنه من النهوض سالما بعدها.

كسر على مستوى الرجل، جروح غائرة، رضوض في كل جانب من جسمه، كانت مخلفات حفلة القمع هذه التي لم تؤخره كثيرا رغم محاولات العلاج وزيارة العيادات الخاصة والعامة منها، فقد قالها رحمه الله لوالده عبد الرحمان الذي صرح بها في العديد من المناسبات: (لن أعيش بعد هول ما تعرضت له على أيدي الأمن من اعتداء).

طالع أيضا  مطالبة بالإنصاف وجبر الضرر.. عائلة ومحبو الشهيد عماري ينظمون وقفة أمام البرلمان الأربعاء المقبل

وفعلا لبى الشهيد كمال نداء ربه يوم الخميس 02 يونيو 2011 بمستشفى محمد الخامس تاركا وراءه شهادة حية في حق بلد لا يقبل جبابرته من يقول لا في وجوههم، بل ويضيق صدرهم وتنطلق هراواتهم القاتلة تجاه كل حركة سلمية اختارت التوجه عكس تيار الاستبداد والفساد.

ثمان سنوات مضت ولم ولن تنسى أسرة الشهيد وأصدقاؤه وكل الغيورين على الحق في الحياة ما تعرض له رحمه الله، ولا يزال، بعد اختيار المخزن منهج طمس الحقائق والهروب إلى الأمام والسعي لضمان الإفلات من العقاب عبر استخدام مؤسساتِ الأصل فيها الاستقلالية والواجب أن تصطف إلى جانب الحقيقة لا أن تُستخدم كوسيلة لإخفائها.

الأكيد أن كل الوسائل الدنيئة لن تجدي في طمس هذا الملف الذي شهد البعيد والقريب تفاصيله، وأُعدّت حولة تقارير ميدانية تفصيلية خلصت إلى تورط الدولة في الجريمة عبر قواتها، بل اعترفت الدولة بجريمتها عبر مجلسها الوطني لحقوق الإنسان!!  فماذا بعد؟؟