التقوى – وقد وردت في القرآن الكريم بجميع مشتقاتها نحو مئتين وخمسين مرة – كلمة جامعة لخصال الخير والبر في الدنيا والآخرة، فهي وإن أطلقت في الكتاب العزيز على عدة معان لا تخرج في مدلولها العام عن معنى خشية الله ومراقبته، والالتزام بما كتبه على عباده، حتى تكون النفس في وقاية مما تخاف يوم يقوم الناس لرب العالمين.

وتشير بعض الآثار إلى أن من تمام التقوى أن يدع الإنسان بعض الحلال مخافة الوقوع في الحرام؛ فالمؤمن التقي ورع لا يحوم حول الحمى، ولا يدنو من الشبهات، ويترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، ومن ثَمَّ يحيى مخبتا لربه يخشاه في السر والعلن، يرجو رحمته ويشفق من عذابه وحسابه.

إن التقوى لباس الخير، وطريق الفوز في العاجلة والآجلة، فالأتقياء يغدق الله عليهم النعم الجزيلة ما ظهر منها وما بطن: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ (الأعراف 96)، إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (النحل 128).

ولا يتقبل الله عملا إلا من الأتقياء، لأنهم وحدهم الذين يعملون العمل الطيب الخالص لبارئهم، فلا يشركون به شيئا: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (المائدة 27). ولا غَرو أن أثاب الله الأتقياء جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين.

والصيام – وهو عبادة كتبها الله على المؤمنين به في كل دين – فرض علينا لغاية مقدسة كسائر الفروض والتشريعات، وهي تربية التقوى في نفس المؤمن، وبعث الشكر لربه الذي أنعم عليه بكل شيء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة 183).

قال أبو حيان: (للصوم فائدتان: رياضة الإنسان نفسه عما تدعوه إليه من الشهوات والاقتداء بالملإ الأعلى على قدر الوسع) 1.

إن الصيام يبعث على التقوى، ويحض على الإخلاص لله في السر والجهر، ويظهر ذلك من وجوه كثيرة أهمها ما يلي:

أولا: أن الامتناع عن أهم رغبات الجسد وحاجاته الضرورية امتثالا لأمر الله وتقربا إليه يحمل على التقوى، ومراعاة حدود الله في كل وقت، كما أن الامتناع عنها يضعف تحكم الأهواء الجسدية في الإنسان فلا تسيطر عليه، وقد أخرج الشيخان رحمهما الله في صحيحيهما عن عبد الله بن عمر قال: “يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ”، والمعنى أنه من قدر منكم على أعباء الزواج فليتزوج، ومن لم تكن له قدرة على ذلك فليصم، فإن الصوم له جُنة، أي وقاية، وهي في معناها الشامل وقاية من كل شر. فالصوم لذلك وقاية من كل ما يسوء الإنسان والمجتمع على حد سواء، لأنه يكسر الشهوة ويضعف الاتجاه إليها، ويخلص الإنسان من عبودية الجسد وسيطرة الغرائز، ذلك أنه ما يَسْتَبْعِدُنَا عن الله عز وجل إلا ما يَسْتَعْبِدُنَا.

بعض من الناس يقولون إن الصيام يكسر الشهوة من خلال الجوع والعطش، لأنه حرمان من أهم حاجات الجسد، ولو صح ذلك لكان لونا من العقوبة لا لونا من الطاعة والعبادة، والله أرحم بعباده من أن يكتب عليهم ما فيه إعنات لهم أو ضعف لقوتهم.

إن ما افترضه الله على عباده من صلاة وصيام وحج وزكاة ليس له بذاته أثر في تقوى القلوب، ولكن لأنه عبادة تصل المخلوق بخالقه، وتشعره بسلطان الله عليه فلا يضل ولا يشقى، فالصلاة كما جاء في القرآن الكريم تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ، وهي في ذاتها من حيث القيام والركوع والسجود وتلاوة بعض آيات الله لا تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولكن من حيث كونها عبادة تتكرر كل يوم خمس مرات ويستشعر الإنسان في كل مرة خشية الله ومراقبته لأنه بين يديه، فإن هذا يعصمه من الزلل، وتحول الصلاة بذلك بينه وبين الفحشاء والمنكر.

طالع أيضا  دور المساجد في احتضان سنة الاعتكاف

والصيام يكسر الشهوة لا بالجوع والعطش، ولكن لأنه عبادة باطنية ليس لها مظهر خارجي، وهذه الباطنية تمثل عنصر المراقبة الصادقة في ضمير المؤمن بحيث يصبح مالكا لنفسه يصرفها حسب الشرع لا حسب الشهوة.

إن الجوع ليس مخ الصوم نفسه، وليس من الصواب أن يكون الجوع طابع الصوم الظاهر في حكمته وفضله. وحبذا الصوم إمساكا عن جميع الأهواء والأخطاء ليكون رياضة مُصلحة للنفوس، مُجدية على الفرد والجماعة، مُروضة على ما لا يسهل الارتياض عليه في سائر الأوقات لضعف أو إهمال أو عدم رقابة، فيكون رمضان وسيلة إلى التقوى التي رجاها القرآن.

كما أن الصائم حين يمتنع عن حاجاته البشرية من طعام وشراب وما إلى ذلك فإنه يشعر برغبة تثير انتباهه إلى تلك الحاجات، فكأن الصيام تذكير بمادية الكيان، وبشرية الوجود وحاجة الإنسان فلا يستعلي ولا يستبد، ولا يتجاوز حدود بشريته في كل تصرف من تصرفاته.

إن كل فرد مهما يكن مركزه مُعرَّض في بيئته للون من الطغيان، يجاوز فيه قدره نوعا من المجاوزة، فإذا ما رده الصوم بتنبيهه المكرر إلى حاجة الإنسان إلى أكل الطعام، عاد بالصوم إنسانا سويا. وهذه نظرة عميقة خليقة بالتدبر والتأمل، لأنها لا تجعل الامتناع عن أهم رغبات الجسد مجرد حرمان مؤقت يؤتي ثماره في مجال الحد من طغيان الشهوات، ولكنها تجعله مع هذا آية العبودية ودليل الضعف البشري، فيعرف الإنسان قدر نفسه ورسالته في الحياة.

ثانيا: إذا كانت بعض العبادات كالصلاة والحج والزكاة يمكن أن يدخلها الرياء والنفاق، لأن القيام بها يتمثل في أمور يطلع عليها الخلق غالبا، ويستوي في أدائها من الناحية الشكلية المخلصون والمنافقون والصالحون والطالحون، فإن الصيام عبادة لا يلحقها الرياء، ولا يتحقق فيها النفاق؛ فالقيام بها يتمثل في أمور لا يطلع عليها سوى الحق سبحانه، ومن ثم كانت سرا بين العبد وربه، وفريضة يرجو الصائم من ورائها مرضاة الخالق بعيدا عن أعين المخلوقين ابتغاء وجه الله تبارك وتعالى وامتثالا لأوامره، ومن امتثل أمر الله في صدق، وتغيى من الطاعة والعبادة رضوان ربه فقد اتقى بارئه حق تقاته.

ولأن الصيام هكذا، اختصه الله بنفسه ونَسبه لذاته، مع أن كل العبادات هي كذلك، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: “الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصَّوْمُ جُنَّةٌ…” 2، وفي حديث آخر: “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ” 3.

وجاء في تفسير المنار ج 2 ص 159: (فإذا ترك الإنسان شهواته ولذاته التي تعرض له في سائر الأوقات لمجرد الامتثال لأمر ربه والخضوع لإرشاد دينه مدة شهر كامل في السنة، ملاحظا عند عروض كل رغبة له من أكل نفيس وشراب عذب بارد وفاكهة يانعة وغير ذلك، أنه لولا اطلاع الله تعالى عليه ومراقبته له لما صبر عن تناولها وهو في أشد التوق إليها، لا جرم أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحِبة للعمل ملكة المراقبة لله تعالى والحياء منه سبحانه وتعالى أن يراه حيث نهاه، وفي هذه المراقبة من كمال الإيمان بالله تعالى والاستغراق في تعظيمه وتقديسه أكبر معد للنفوس ومؤهل لها لسعادة الروح في الآخرة).

ثالثا: أن الصيام يقوي الإرادة الإنسانية، ويجعل من المسلم رجلا ماضي العزيمة حر الإرادة لا تلعب به النزوات أو الشهوات، وذلك لأن من ينتصر على رغبات الجسد ولذاته يسيطر عقلُه على هواه وإرادتُه على شهوته، ومن كان كذلك فقد أصبح مالكا لزمام نفسه، ذا إرادة قوية لا يميل مع هوى النفس الأمارة بالسوء، ولا ينحرف عن جادة الطريق. وليست التقوى في جوهرها إلا إرادة قوية تكبح الأنفس عن غيها وتسلك بها طريق الحق والهدى والرشاد.

طالع أيضا  رمضان ربيع القلوب

ولأَثر الصيام في شحذ الإرادة وجهاد النفس ومقاومة نزعات الشر والمنكر، كان واجبا شهرا من كل عام، ليظل الإنسان حرا قوي الإرادة نقي السريرة ماضي العزيمة، لا تَسْتَرِقُّهُ شهوة، ولا تفسد فؤاده قالة مُنكرة أو هاجسة أوحى بها شيطان من شياطين الإنس والجن، ولا يرضى بالدنية في دينه ودنياه، فهو دائما عالي الهمة يكره سفاسف الأمور وينشد حياة الكرامة والعزة والإباء، لا يركع إلا لفاطره، ولا ينام على باطل أو ضيم أبدا. وذلك لأن تكرر الشهر يجدد آثار الصيام التي قد تنال منها مرور الأيام، وما أشبه الصيام للنفس بالمصل للجسم، فكما أن المصل يُكسب الجسم قوة تُقْدِرُه على أنواع خاصة من الجراثيم، كذلك الصيام يُكسب النفس قوة تُقدرها على مقاومة الرغبات الهابطة والشهوات الحيوانية المُسِفَّة، وكما أن المصل يجب تكرار التطعيم به كلما مرت مدة معينة من الزمان حتى تتجدد قدرة الجسم ولا يفقد مقامته، كذلك صيام رمضان يجب تكرار مزاولته مرة في كل عام حتى تتجدد قدرة النفس ولا تفقد مقامتها.

إن الإسلام دين العزة والقوة والكرامة، ومن ثم كان الجهاد في هذا الدين ماضيا إلى يوم القيامة، وكانت تعاليم الإسلام وعلى رأسها الصيام تدريبا عمليا ونفسيا لإعداد المسلمين للحياة العزيزة الكريمة في دنيا يذهب فيها الزبد جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. إن الصيام يمنح الصائمين إرادة صلبة تقهر الشهوات المسيطرة، والنزوات المتحكمة، إرادة لا تنال منها شدائد الحياة، وتزيدها الصعاب مضاء وقوة، وحين فقِه المسلمون معنى الصيام كما ينبغي أن يكون كانوا أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، كانوا قوة تهاب، وعزيمة تجتاح كل الصعاب.

إن القيام بفريضة الجهاد في الإسلام على وجهها المشروع يحتاج إلى رجال ذوي عقيدة وإرادة وشخصية، والصيام يُسهم بحظ عظيم في إعداد الرجال للجهاد والقتال، إذ هو مجال تقرير الإرادة الإنسانية والشخصية الإنسانية بالاستعلاء على ضرورات الجسد جميعا، كما أنه مجال لاختيار مدى الطاعة لله، والاستسلام لفرائضه أيا كان فيها من الحرمان، وهذان عنصران لازمان في إعداد النفوس لاحتمال مشقة الجهاد في سبيل الله. ومن الموافقات الإلهية أن تقع أشهر المعارك الحربية التي خاضها المسلمون في بسالة وحققوا فيها أروع الانتصارات، ورفعوا فيها راية الإسلام في شهر رمضان.

رابعا: لما كان ظرف الصيام يمتد من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإن الصائم يظل طول يومه في عبادة وطاعة لله، ومن شأن هذا أن يرسخ في ضمير الصائم شعور المراقبة لله في وقت الصيام وغيره. ومن هنا لم يكن الصيام المبرور مجرد امتناع عن الطعام والشراب وما إليهما، ولكنه مع هذا امتناع عن كل عمل يفسد روح هذه العبادة أو يحول دون رسالتها كما ينبغي أن تكون، وإن كان من الناحية المادية عملا لا أثر له في صحة العبادة وجوازها.

طالع أيضا  السر المكنون بين بدر وفتح مكة

لقد رُويت الآثار في النهي عن الكذب والغيبة والرفث، وبينت أن من لم يأخذ نفسه في رمضان بالكف عن الرذائل والمناقص فإن الله غني عن ترك الطعام والشراب؛ إن هذا الترك أهون الصيام وأدناه، أما أعلاه وأشَقُّه فهو الصيام عن كل منكر من الأقوال والأفعال، وما ذلك إلا وقاية لهذه الفريضة من أسباب الانحراف بها عن غايتها الأولى، وهي تقوى الله والاعتصام بحبله في كل حين وعلى كل حال.

تلك في إجمال الوجوه التي يكفل بها الصيام للصائمين التقوى بمفهومها الشامل الكامل؛ التقوى التي تحول بين المرء وما يُسخط ربه، وتجعل منه عبدا عابدا لخالقه في كل ما يأتي ويذر، وتسلكه في عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما، والذين يسألون ربهم أن يصرف عنهم عذاب جهنم، إن عذابها كان غراما، والذين لا يعرفون في حياتهم الافراط والتفريط في كل شيء، فهم إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما، إنه القصد والتوسط والاعتدال، والذين يؤمنون بخالقهم إيمانا صادقا لا يخالطه شرك من أي لون، ولا يأتون منكرا أو كبيرة تورد فاعلها موارد التهلكة والخلود في العذاب المضاعف يوم القيامة.

إن التقوى هي الغاية الأولى للصيام والحكمة الأساسية من فرضه، وما عداها من الحكم والفوائد التي يُفيض في الحديث عنها بعض الباحثين والكُتاب فتَبَعٌ لها أو منبثقة عنها.

إن التقوى هي العروة الوثقى، وقد جعلها الله تبارك وتعالى يسرا من كل عسر ولكل عسر، وبابا لكل خير، قال تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (الطلاق 2-3)، وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً الطلاق 4، وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (الطلاق 5).

وما أحوج الأمة الإسلامية في هذا العصر الذي يواجه فيه الإسلام أخطر المؤامرات للقضاء عليه، أو لجعله غريبا بين أهله، أو جعل أهله غرباء عنه، إلى أن يكون صيامها سبيلا لتقوى الله حتى لا تخشى فيه لومة لائم، وحتى تعتصم دائما بحبله ولا يكون بأسها بينها شديدا، وحتى لا ترضى بالدنية في دينها ودنياها، وحتى تبذل كل ما تملك فداءً لعقيدتها وكرامتها، لتكون لكلمة الحق السيادة والقيادة، تحريرا لعالم يحكمه منطق القوة الباغية الذي يسمي الاغتصاب حقا والاحتلال والإرهاب حماية والاستغلال ونهب ثروات الشعوب تعاونا، وإحياء لخير أمة ولنعيش أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (المنافقون 8).


[1] البحر المحيط، ج2، ص 30.
[2] رواه الإمام أحمد رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[3] رواه الإمام البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه.