تعهد القرآن سبيل الحفظ المتقن

عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ، يَقُولُ: كُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَرَدَدْنَا عَلَيْهِ السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَ: “تَعَلَّمُوا كِتَابَ اللهِ وَاقْتَنُوهُ – قَالَ قُبَاثٌ: وَحَسِبْتُهُ قَالَ – وَتَغَنُّوا بِهِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْمَخَاضِ مِنَ الْعُقُلِ” 1.

 وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت” 2.

أهل القرآن أهل الله وخاصته، فمن رام اللحاق بهم فلابد له أن يتخذه “سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي؛ نظرًا وعملًا، لا اقتصارًا على أحدهما؛ فيوشك أن يفوز بالبغية، وأن يظفر بالطلبة، ويجد نفسه من السابقين في الرعيل الأول” 3، وبعد التلاوة ومعها يأتي الحفظ، ولا ننعته بالجيد، فالحفظ ضبط الشيء ومنعه من الضياع كما يعرفه الطوفي في شرح الأربعين 4، فلا يسمى الحفظ  المهلهل حفظا، ومع ذلك لا يبخس حق التتعتع فيه.

إن السبيل الأمثل لإتقان الحفظ يبدأ وجوبا من الحفظ الأولي المتقن، ثم المراجعة والتعهد بعد ذلك، وأن تكون لهما الأولوية الكبرى في برنامجه القرآني اليومي أو الأسبوعي، وأن تكون المراجعة دائما وأبدا ديدنه ومنهجه الذي لا يحيد عنه أبدا ولا تصرفه عنه الصوارف أو تلهيه عنه الملهيات والشواغل.

وإنْ يَكُنْ وَقْتٌ لَدِيْكَ شُغْلُ *** فَاجْعَلْ لَهُ وَقْتَاً وذاكَ الشُّغْـــلُ

يلزم من قوة المراجعة قوة المحفوظ، فلا يكن همنا سرعة الحفظ، بل ترسيخ ما حفظنا بتكرار تسميعه وكتابته، فالصبر على ذلك طريق صعب المنال، ولا يواظب عليه إلا متطلع للإتقان، فلا تعجز أخي عن التكرار والتعهد، ولا تظنها أقل أهمية من الحفظ، بل هي أعظم شأنا، وأشد وطئا، لأنها الوسيلة المجربة لترسيخ المحفوظ وتثبيته، ولعلاج داء النسيان والوهم والهذيان، فلا تتقدم في الحفظ الجديد، وأنت ترى نفسك عاجز عن الاستظهار المتين، ولا تسرع في حفظك لتقول حفظت، بل سل نفسك عن حال محفوظك، فآفة العلم النسيان، وتذكر أن غفلتك عن التعهد والمراجعة  هو سبب الشتات، وذهاب ما حفظته إلى فتات، فكم من حافظ لا يقوم بمحفوظه إلا والمصحف أو الهاتف بين يديه، واعلم أن قرآنك ما كان معك، أينما يممت ينفعك، لا مصحفك وهاتفك.

طالع أيضا  ذ. عبادي: في فضل العشر الأواخر والاعتكاف

فمن يكُ في علمِه هكذا ** يكنْ دهرَهُ القهقَرَى يرجِعُ

إذا لم تكنْ حافظاً واعياً ** فجمعُك للكتبِ لا ينفع

ورحم الله ابن عطية الأندلسي في تفسيره لقوله تعالى “سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى” بمعنى “لا” الناهية، أي  “أمره أن لا ينسى على معنى التثبيت والتأكيد، وقد علم أن ترك النسيان ليس في قدرته، فقد نهي عن إغفال التعاهد” 5.


[1] مسند الإمام أحمد، مُسْنَدُ الشَّامِيِّينَ، حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
[2] صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة. باب الأمر بتعهد القرآن وكراهة قول نسيت آية كذا.
[3] أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، القسم الرابع: كتاب الأدلة الشرعية، ص 675.
[4] التعيين في شرح الأربعين، نجم الدين الطوفي، تحقيق أحمد حَاج محمّد عثمان، مؤسسة الريان بيروت، ط 1، 1419 هـ – 1998 م، ص15.
[5] المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية الأندلسي، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1422 هـ، ج5، ص 469.