تمثل السيرة النبوية مثالا ونموذجا تطبيقيا لحركة الإسلام الأولى مجسدة في الجماعة المسلمة بإمامة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، والمسلمون اليوم لا زال يربطهم بالسيرة رباط الإعجاب يخالج شعورهم ويخالط عقولهم، لكن هذا الحنين القلبي للتجربة النبوية لا يثمر إن لم يكن مشفوعا بالنفاذ إلى عمقها اكتشافا لأسرار التربية وأساليب التعبئة والتأليف والنهوض بالدعوة في كل مراحلها؛ فمن الواجب استخلاص الدروس والعبر لتطبيقها في حياة الأمة وحركتها التحررية الآن وغدا بناء لذاتها ولمَّا لشعثها وتدافعا مع أعدائها.

من الأحداث العظيمة والفاصلة في تاريخ الدعوة المحمدية والجهاد النبوي غزوة بدر الكبرى التي أعز الله فيها دينه ونصر جنده وهزم أعداءه، أنزل الله في أعقابها سورة الأنفال تتحدث عنها بإسهاب، وترسم خط الجهاد وقوانينه، وتحرض عليه المؤمنين في كل زمان. غزوة بدر حدث تتجدد ذكراه في قلب وعقل المسلم والمسلمة في رمضان من كل سنة هجرية، نود في هذا المقال أن نتتبع حركة البدريين/أهل بدر القلبية والعقلية والسلوكية قبل المعركة وأثناءها علنا نستخلص عبرا لحركة المسلمين أفرادا وجماعات وشعوبا حاضرا ومستقبلا.

– أحب البدريون (أهل بدر) رضي الله عنهم الشهادة في سبيل الله رغم كره فريق منهم القتال أول الأمر، ورغبتهم في عير قريش القادمة من الشام باتجاه مكة التي ندب الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه لملاقاتها كما حكى الله في السورة ، فأفلتت منهم. قال تعالى: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم [الأنفال: 6]، تسامى البدريون عن عوامل الجبن البشري المجبولة عليها النفوس بفضل الله وبسبب الصحبة النبوية والتربية النبوية، قال تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم [البقرة: 214].

طالع أيضا  كيف نستقبل رمضان؟ وكيف نعيشه؟ (3/4)

– حذر الله تعالى البدريين من مماثلة الكفار في نية الخروج وقصده، ليكون جهادهم في سبيله والمستصعفين إعلاء لكلمته ودعوة لدينه لا طمعا في السمعة وحبا في الظهور، فقال سبحانه: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله [الأنفال: 48].

– برهن الرسول صلى الله عليه وسلم والبدريون رضي الله عنهم عن عبوديتهم وافتقارهم لله باستغاثتهم به واستنصارهم له، حتى بات الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي ويدعو الله بتضرع خاشع لنصر العصابة المؤمنة، قال تعالى شاكرا فعلهم: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين [الأنفال: 9].

– اختبر الرسول صلى الله عليه وسلم استعداد صحابته رضي الله عنهم للقتال، فاستشارهم لكون بدر أول غزوة/قتال دام مع الكفار تخوضه الدولة الإسلامية الوليدة بعد تأسيس كيانها بالمدينة المنورة عقب الهجرة، فعبر المهاجرون والأنصار عن جاهزيتهم واستجابتهم الطوعية لنصرة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وفاء بالبيعة التي قطعوها على أنفسهم.

– بادر الصحابي الجليل الحباب بن المنذر رضي الله عنه إلى سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم عن الموقع الحربي الذي نزل فيه أهو منزل أنزله الله فيه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فأجابه بتواضع الرسول/القائد بأن اختياره له من باب الرأي والحرب والمكيدة، فأشار إليه بأدب بالنزول ببدر (بئر لرجل اسمه بدر فسميت باسمه) مبينا له الحكمة من ذلك.

– عبر البدريون مهاجرين وأنصارا رضي الله عنهم عن وحدة الصف ووحدة الكلمة بإمامة الرسول القائد صلى الله عليه وسلم، مجسدين الولاية في الله بينهم، فاستماتوا في القتال كالبنيان المرصوص بنية واحدة وعزم واحد خدمة لقضية واحدة : نصرة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فكان انتهاؤهم عن نهي الله تعالى سر قوتهم: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين [الأنفال: 47].

طالع أيضا  أيا عابدَ الأيّامِ وَيْحَكَ تلعبُ

– ثبت البدريون رضي الله عنهم ولم يتولوا وصبروا وذكروا الله كثيرا استجابة لأمر الله يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون [الأنفال: 46]، وتجاوبا مع تحريض رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأيها النبيء حرض المومنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين… [الأنفال: 65] فنصرهم الله؛ تأليفا بين قلوبهم وربطا عليها وتأمينا لها وتطمينا، وتثبيتا للأقدام وإمدادا بالملائكة تقاتل في صفهم، وتوهينا لكيد الكفار وإلقاء للرعب في قلوبهم، وقتلا لهم رميا عن المومنين فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المومنين منه بلاء حسنا [الأنفال: 17]. انتصرت إرادة الله لإحقاق الحق وإبطال الباطل مصداقا لقوله جل وعلا: ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون [الأنفال: 8].

غزوة بدر ليس حدثا مضى وطوي في التاريخ ذكره، بل هو حدث حي متجدد في كل زمان، بل في كل سنة يغرف منه المسلمون معاني ويستلهمون دروسا، ومن المعاني والدروس المستفادة بناء على ما سبق عرضه:

– طرد الوهن (حب الدنيا وكراهية الموت كما عرفه الرسول صلى الله عليه وسلم) وتربية النفوس على حب الشهادة في سبيل الله من أهداف التربية النبوية الواجب تحقيقها.

– تحسين النية في الجهاد وتخليصها من الرعونات النفسية والنوازع الأرضية مزايلة للكفار شرط أساسي لتنزل نصر الله.

– تحقيق الاستقامة والعبودية لله تعالى، ودعاؤه واستغاثته استمطارا لرحمته واستمدادا لعونه ونصره عامل محوري من عوامل النصر ووراثة الأرض.

– تطبيق مبدأ الشورى وفتح المجال للتعبير عن الآراء بضوابط وآداب ذلك، يضمن قوة الفكر وقوة الحركة، ويتيح آفاقا كبيرة وواسعة لتطوير العمل الجماعي.

طالع أيضا  الأمر العظيم في الشهر العظيم

– التربية على المبادرة والمشاركة الإرادية الطوعية والإيجابية وقبول المراجعة في الرأي من أساليب التربية النبوية الواجب الأخذ بها.

– التعبئة والتحريض من أساليب الرسول صلى الله عليه وسلم في استنهاض الهمم وتقوية العزائم.

– تحقيق الولاية في الله على مستوى القلب، والحوار الفكري الرصين والقاصد على مستوى العقل، والتعاون الميداني لنصرة دين الله في الأرض، أولوية من الأولويات المطروحة على الأمة الآن وغدا.

– اليقين في الله والثقة في نصره والسعي لموافقة إرادته القدرية ينبغي أن تتجذر في القلوب وتترسخ في العقول وتتحرك بها الجوارح.