صاحب القرآن

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن لله أهلين من الناس، قالوا يا رسول الله: من هم؟ قال: هم أهل القرآن أهل الله وخاصته” 1.

وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة… قال معاوية: بلغني أن البطلة السحرة” 2.

وعن بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت” 3.

يا له من تشبيه نبوي بليغ لما ينبغي أن يكون عليه المومن في علاقته مع القرآن، صلة ووصال، ولقاء وخلوة، وتناج وملازمة، وتعارف وبوح بالأسرار، وزيارة  واستشارة.

لا غرو أن صحبة القرآن مفتاح كل خير، منها  ينطلق، وعنها يصدر، إن أصابه هم فزع إليه، أو لحقته شدة استعان به، أو أراد هديا استنطقه منه، إنها الصحبة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، لا مكان معها للمفارقة، ولا مجال فيها للمباعدة والهجر.

فهذا يوم حنين لما ولّى بعض الصحابة مدبرينَ أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمه العبّاس فناداهم: يا أصحاب الشجرةِ” – يعني أَهل بيعة الرضوانِ – وفي روايةٍ: ناداهم “يا أصحابَ سورة البقرةِ” فرجعوا عطفةً كعطفة البقرة على أولادها 4،  ينشطهم بذلِكَ فجعلوا يقبلونَ من كل وجه، لقد شرفهم المصطفى صلى الله عليه وسلم بوسام الشرف، وبعظيم النسب، وما أعظم أن ينسب المرء لكتاب ربه، أو لسورة من سوره، أنعم بها من منزلة، وأكرم بها من صحبة.

طالع أيضا  رمضان للنصر عنوان

حين تقف أخي مع آيه وقصصه، وتطوف في ظلاله، وترفل في نعيمه، وترتله وتتعهده، تأكد أنه سيقف معك حين ينفض الخلق عنك، ويرشدك في مواطن الحيرة والشكّ، ويثبِّتك عند التردد والخوف، واعلم أنه الوحيد الذي لن يفر منك يوم يفر المرء من أخيه وصاحبته وبنيه، فهو الأنيس في القبر، والشافع في المحشر.

و“كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَدَّ فينا” 5 أي عظُم، كما قال أنس بن مالك، فالسيادة الحقة أخي أن تصاحب من ينفعك في كل حين، في الحل والترحال، في الحياة والممات، في الشغل وعند الفراغ، في الصحة و المرض. صحبة نصعد درجاتها عبر سلم الحفظ والتعهد والمدارسة والتدبر والعمل، لنستحق في النهاية اللقب الشريف:  صاحب القرآن.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن اتخذ القرآن صاحبا ورفيقا، وهاديا ودليلا.


[1] مسند الإمام أحمد، مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، مُسْنَدُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.
[2] صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة.
[3] صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة. باب الأمر بتعهد القرآن وكراهة قول نسيت آية كذا.
[4] مسند الإمام أحمد، مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ، حَدِيثُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ  عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
[5] مسند الإمام أحمد، مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، مُسْنَدُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.