عشنا أنفاس العشر الأولى من شهر رمضان الفضيل الذي غمرنا الله تعالى فيها برحماته تكرما منه، وهو الكريم الرحيم تهيئة لأسباب التوبة والإقبال عليه، فازدحمت بالتائبين جنبات المساجد. ودخلنا العشر الثانية، عشر المغفرة تأسيسا على عشر الرحمة، فيطلب منا الإكثار من الاستغفار وتصويب السلوك والمعاملات والأخلاق وتثبيت الفرائض وفضائل الأعمال في انكسار وافتقار وتذلل لرب النعم والأفضال. ومتى تستقيم التوبة لو لم تسبق منه سبحانه نفحة التوبة، ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.

وتصحيحا لمعاني التديّن، ساق الله تعالى وهو المدبر الحكيم أحداثا جساما في شهر رمضان، بل وفي أول شهر يفرض فيه الصيام، تنبيها إلى أنه لا خلاص للمسلم فردا دون الانخراط في مشروع بناء الأمة، فجاءت غزوة بدر بدر الكبرى في العشر الثانية، بل كادت أن تتوجها (السابع عشر من رمضان)، ليتعدى الاستغفار ما هو فردي قولا وسلوكا وأفعالا، ويشمل الاستغفار من التباطؤ والتخاذل عن المشاركة الإيجابية في مشروع الأمة، كل في مجال تخصصه واختصاصه، بنية جهاد البناء والتعبئة العامة.

لم يفهم المسلمون في صحبة المعصوم صلوات الله وسلامه عليه أن الدين إتيان لأركان الإسلام وتحقيق لمقتضيات الإيمان في إطار علاقة عمودية بين العبد وربه، ولم تنفصل في فهمهم للإسلام الصلاة وهي عمود الدين عن سائر الأعمال التي تفتل في حبل تقوية شوكة المسلمين إعدادا لكل أسباب القوة، تعليما وتعبئة وامتلاكا للخبرات وإنتاجا لحاجيات الأمة، كل حاجيات الأمة، إذ لا معنى للعزة والرسالية والأمة لا تنتج غذاءها وتوفر اكتفاءها الذاتي في المجالات الحيوية لأمة مستهدفة في وجودها أساسا.

بدر وهي مرحلة اكتمال القمر بعد منتصف الشهر القمري، وبدر البئر التي شكلت العامل الاستراتيجي في أطوار المعركة التي سميت باسمه معلمة كبرى في تاريخ المسلمين، جمعت بين التربية بمعناها الشامل الذي يتجاوز التزكية الفردية لتأهيل المسلم فهما ووعيا وسلوكا وانخراطا فاعلا في بلورة المشروع المجتمعي والحضاري قبل المنافحة عنه. 

طالع أيضا  ذ. ركراكي: في العشر الأواخر شمّر وشُدّ المِئْزر

بدر الكبرى فكرة وتخطيطا وتعبئة وتنزيلا واستثمارا اختزال لمشروع إحياء أمة نالت منها قرون سبات الاستبداد، ودعوة متجددة لانعتاق المسلمين من نَيْرِ المهانة والهوان.

وبين بدر السنة الثانية للهجرة وواقع المسلمين اليوم مسافة ضوئية بين إيمان العزة وإيمان الاستكانة والتطبيع مع المآسي والانتكاسات، تفرض على أبناء الصحوة الإسلامية ومختلف قواها الحية وعلمائها أن يَنْبَرُوا لإحياء معاني غزوة بدر ومقتضياتها السلوكية والتأهيلية والتعبوية في وجدان المسلمين شبابهم، ولنا في المقدسيين المرابطين في المسجد الأقصى السليب إجهاضا لمشاريع التهويد المدعومة من قوى محسوبة على الإسلام لم تعد خافية، ولنا في صمود الغزويين (نِسبة إلى غزة) يقاومون حصار التجويع والتطبيب قبل العدوان الحربي والقصف الفوسفوري لاستئصال البقية الباقية من معاني العزة والكرامة والانتصار لمشروع الأمة؛ لنا في المقدسيين والغزويين منارات تتوهج بكل معاني العزة بالانتماء لمشروع الأمة.

قطبان ووجهان لعملة تديننا الحقيقي والسليم، همٌّ فردي وهمٌّ بل وتهمّمٌ جماعي بأحوال الأمة لا ينفصلان في وعي المسلم الراجي فلاح الصحابة بما بذلوا وضحوا واسترخصوا النفوس قبل الأموال وسائر متع الحياة.

واللهَ تعالى الكريم الوهابَ نسأل أن يجعلنا من أهل بدر زماننا، وأن يتقبل منا الطاعات وسائر القُربات كما تقبل من عباده الصالحين، وأن يهيئ سبحانه وهو القوي العزيز للأمة أسباب العزة والتمكين تبليغا لرحمة الإسلام وبناء لمشروع العمران الأخوي صونا لكرامة الانسان وتوفيرا لشروط الهداية والتوبة. والحمد لله رب العالمين.