إن القارئ للقرآن الكريم والناظر في الحديث النبوي الشريف يلاحظ أن الله عز وجل جمع بين القرآن والصيام فقال سبحانه: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان (البقرة الآية 184) كما جمع بينهما رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله: “الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام أي رب منعته الطعام والشهوة بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان” 1.

والحكمة من هذا الجمع أكبر من أن تدرك كلها، وحسبي أن أبسط منها إشارات خفيفة منها:

1- إنه بحلول شهر رمضان يتجدد في نفوس أهل الإيمان نزول القرآن، فكأن إقبال المسلمين على القرآن والصيام هو تعبير عن فرحتهم بميلاد النور الرباني من السماء إلى أهل الأرض.

2- القرآن كتاب تربية، وقد جعل الصبر أول طريق لترويض النفس البشرية وتهذيبها على الأخلاق الحميدة، وهو الطريق الموصل إلى النجاة، والطريق الذي يحتاج إلى عزيمة صادقة، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون (آل عمران، الآية 200). ونجد في الصبر العفة التي يتحلى بها المؤمن ويترفع بها عن كل الدنايا، والصوم ما هو إلا نوع من أنواع الصبر، وهو صبر عن تناول اللذات مما يشتهيه البطن والفرج. ولا يزال القرآن يعلمنا كظم الغيظ والعفو عن الناس وعدم الغضب، قال تعالى: والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس (آل عمران، الآية 134) ومدرسة الصيام تدربنا على ذلك في الميدان، قال صلى الله عليه وسلم: “الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ” 2.

3- إن مراقبة الله عز وجل في السر والعلن خير رادع للنفس البشرية، وقد سماها القرآن “تقوى”. والتقوى هي الضمير الحي الذي يجعل الإنسان يراقب ربه، فيزن الأمور بميزان دقيق لا يبعد عن الجادة ولا يحيد عن الصواب.

طالع أيضا  الإمام الغزالي و"أسرار الصوم" (3)

والمراقبة استحضار عظمة الله وقدرته في القلب، وذلك بالخوف من توعده ووعيده للعاصي، ثم الاستحياء منه في كل وقت وحين … وإن الصيام ليربي فينا هذه الخصلة ويدربنا عليها وقد جعلها غاية فرضية الصيام، فقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (البقرة، الآية 182).

وهذا الوازع الداخلي الذي رباه فينا القرآن والصيام يتجلى عمله عبر مراحل منها:

– المرحلة الأولى: يكشف الطريق أمام صاحبه فيميز له بين الخير والشر والحسن والقبيح والنافع والضار والصالح والطالح والمستقيم والمعوج…

– المرحلة الثانية: يدفع صاحبه إلى اتباع النهج السليم والطريق المستقيم ويرغبه في ذلك، ويحذره من اتباع عكس ما وجهه إليه.

– المرحلة الثالثة: وهي على شقين:

أ- فإن اختار الإنسان طريق البر والخير أبدى الضمير راحة قلبية وسعادة وطمأنينة كاملة.

ب- وإن اختار الإنسان الشر والضرر والفساد تحرك الضمير ضد صاحبه وأعلن في وجهه الغضب وبدأ بالتأنيب والتوبيخ، ولا يستطيع الإنسان الهرب والاختفاء. ولا يزال الضمير وراء صاحبه يضيق عليه الخناق، فلا يجد مفرا إلا بإعلان الندم والتوبة، ثم يدفعه إلى الاعتراف الكامل بالذنب والتقصير.

وهذه المرحلة الثالثة يتبوأ الضمير فيها مكانة القاضي الذي يصدر الأحكام وينفذها بنفسه ثم يقوم بتوزيع درجات الثواب والعقاب.

فهذه الرقابة الذاتية التي يربيها فينا القرآن والصيام تمثل صورة سامية للإنسانية الكاملة التي تدعو إلى الفضيلة وتحث على تجنب الرذيلة بشعور ذاتي وباعث داخلي، بينما تحط رقابة القانون والقضاء من قيمة الإنسان لتجعله بالحيوان أشبه، فلا يخاف إلا من السوط ولا يتحرك إلا بالعصا.

وهذه الرقابة الذاتية – التقوى أو الضمير – هي الملاذ للبشرية من تخفيف الويلات وتقليل الشرور والحد من الجموح والشهوات لأن تأنيبها الداخلي يلاحق المذنب في كل وقت وحين وخاصة في فترات الراحة والهدوء.

طالع أيضا  حوار.. رمضان على الأبواب، فهل أنت مستعد؟

[1] مسند الإمام أحمد، مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، مسْنَدُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.
[2] مسند الإمام أحمد، مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، مُسْنَدُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.