القرآن الكريم منبع العلوم النافعة، وبرنامج المدارس اليانعة، ومرتع القلوب الخاشعة، كيف لا وهو كلام ربنا المتفضل، الذي أراد أن يُسمعه لعياله على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله الأطهار أولي النهى والأبصار، وعلى سادتنا الصحابة الأخيار الذي اختارهم لصحبة نبيه البار، ليبلغوا عن رب العالمين، فكانوا نعم الجماعة الذين جمعوا القرآن وتدارسوه باعتبار، وبلغوه بعزة ووقار.

نعم، كان هذا ديدنهم في كل الأوقات فبالأحرى أشرفها وأجلها وأجملها سيد الشهور وممحص الأمور؛ شهر رمضان الذي قال في شأنه جل وعلا: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ 1.

فكان القرآن حقا حُداء أرواحهم، ونشيد خلواتهم، ومائدة جلواتهم، وهادي نظراتهم، وساقي عبراتهم،  ففهموا عن الله أن لا ربانية ولا طمأنينة ولا سكينة إلا في حضن القرآن، تلاوة واستماعا، تدارسا واجتماعا، قال تعالى وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْلمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ 2.

فحصل لهم المراد، وكان لهم نعم الزاد، رشفا من قوله صلى الله عليه وسلم “مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ” 3.

حتى صارت أرواحهم لهذه الاجتماعات تتوق، ولتلاوة كتابه تروق، ولحلاوة مدارسته تذوق، إلى أن ازداد الإيمان إلى إيمانهم، وملأت الرحمة الإلهية مجالسهم، فكانوا بالملائكة محفوفين، وفي الملأ الأعلى مذكورين، هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا  4.

فطابت بالقرآن والذكر أرواحهم، حتى استرخصوها  في سبيل الله إعلاء لكلمة الله وطلبا لما عند الله بل طلبا لله.

لا غرو أنهم عاشوا مع المصحوب الأعظم معاني الإقبال الكامل على كتاب الله، وشهدوا مدارسته عليه السلام مع أمين الوحي ومعلم الأنبياء والمرسلين سيدنا جبريل، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) 5، يعلق ابن حجر رحمه الله في الفتح “فيه أن مدارسة القرآن تجدد العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود، والجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة، وأيضاً فرمضان موسم الخيرات، لأن نعم الله على عباده فيه زائدة على غيره، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤثر متابعة سنة الله في عباده، فبمجموع ما ذكر من الوقت والمنزول به والنازل والمذاكرة حصل المزيد في الجود، والعلم عند الله” 6.

طالع أيضا  التلازم بين القرآن والنبوة

أنعم بها من صحبة كاملة لمن كان القرآن خلقه، وأنعم بها من مدارسة في شهر تتعالى فيه نداءات الملائكة المقربين: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر.

فهل تبقى هذه المدارس والمدارسة حبيسة رمضان، أم أن رمضان مدرسة نتأسى بها في سائر شهور العام؟


[1] البقرة: 185.
[2] آل عمران: 79.
[3] صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر.
[4] سورة الفتح: 4.
[5] صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
[6] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، اول  الكتاب.