لم تكن المزاوجة والإقران بين شهر رمضان الفضيل والقرآن الكريم بشرية، بل ربط الله عز وجل بينهما في محكم آياته، وأبلغنا سبحانه أن شهر رمضان المبارك كان موعدا لتنزل الذكر الحكيم.

وما إن يقبل شهر رمضان الكريم حتى يحضر المسلمون مصاحفهم، ويعقدون العزم على أن يكون نصيبهم فيه من القرآن الكريم يفوق نصيبهم في باقي الشهور. لكن كيف نوطد علاقتنا بالقرآن الكريم في رمضان؟ وكيف نتدبره؟ وماهي القواعد التي تساعدنا على فهم معانيه واستخلاص عبره؟ 

·     ارتباط نزول القرآن برمضان

إن المتأمل لحديث القرآن عن القرآن نفسه، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن القرآن، يجد مدى العظمة التي يتميز بها القرآن الكريم، يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ 1.

 والرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة رضوان الله عليهم أيهم يحب أن يغدو إلى بطحاء مكة، فيعود بناقة كوماء (أي ناقة عظيمة باهظة الثمن) قالو يا رسول الله كلنا نحب ذلك. أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا حبان أنبأنا عبد الله عن موسى بن علي بن رباح قال: “سمعت أبي يقول: سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة فقال: أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان أو العقيق، فيأتي كل يوم بناقتين كوماوين زهراوين يأخذهما في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ قالوا: كلنا يا رسول الله يحب ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من عدادهن من الإبل” 2.

والملاحظ أن الله عز وجل ربط بين القرآن الكريم وشرفه وأعطاه مزايا متعددة، زمانا ومكانا وأمة ولغة، وكذا من حيث السفير الذي نزل به من بيت العزة إلى الأرض، ومن حيث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي تحمل هذه الأمانة حتى …

طالع أيضا  حبل الله…

لقد ميز الله تعالى القرآن في لغته فاختار له اللغة العربية، وميزه من ناحية النزول مكانا فاختار له أشرف البقاع مكة والمدينة وما حولها، واختار له أشرف السفراء وهو جبريل عليه السلام، واختار له أشرف رسول ينزل عليه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، واختار له أشرف أمة وهي الأمة الخاتمة التي قال الله عز وجل فيها: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ  3.

ونأتي هنا إلى بيت القصيد، وهو أن الله عز وجل اختار للقرآن الكريم شهر رمضان تشريفا له وإكراما لهذا الشهر المبارك.

·     تدبر القرآن في رمضان

تدبر القرآن الكريم مما ينبغي أن يلفت أنظار المؤمن ويعتني به، لكن بعض الناس يركزون في رمضان على تلاوة قدر كبير من القرآن الكريم ولا يتوقفون عند التدبر، وبعضهم يتوقف عند آيات معدودات ويتدبرها و لا يتجاوزها، والصواب أن يجمع المؤمن بين وردي التلاوة والتدبر، أي أن يكون للمؤمن حظ من القراءة التي لا تنقطع في القرآن الكريم، وحظ من التدبر في آياته. لكن لا يجب أن يكون هم المؤمن هو آخر السور، و إنما يكون همه التدبر الحقيقي لهذه الآيات الكريمة.

يقول بعض السلف: “لي ختمة أختمها كل شهر ولي ختمة أختمها كل عشر ولي ختمة لم أختمها منذ بدأتها وهي ختمة التدبر”. لأن الهدف من هذه الأخيرة، ليس الإسراع والإكثار من القرآن الكريم تلاوة، وإنما الهدف منها الوقوق عند دلالات الآيات ومعاني القرآن الكريم ومفرداته.

·     هجر القرآن

وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة يقف أمامها بعض الناس فيقصرون دلالاتها، ويحصرون معطياتها ومفاهيمها ومضامينها في دائرة ضيقة. فعندما نسمع مثلا في القرآن الكريم قول الله عز وجل: وقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا 4، يتبادر إلى أذهاننا مباشرة أنه هجر القراءة، وهذه صورة واحدة من عشرات صور الهجر، فالهجر قد يكون في القراءة وقد يكون في التدبر وقد يكون في السماع، وقد يكون الهجر وهو الأقسى في تنزيل أحكام الله عز وجل على واقع الناس بصورة صحيحة، فترى عمائم مضلة، تنزل القرآن الكريم على غير منزلته، وتفتي للناس بغير ما أراد الله عز وجل، إذن فالهجر له صور عديدة أيسرها التلاوة على ما فيها من إثم.

طالع أيضا  القرآن الكريم فضله وحرمته، وما أعد الله تعالى لقارئه من الثواب العظيم والأجر الجسيم

·     القواعد المعينة على فهم القرن الكريم وتدبره

من القواعد التي تساعد المؤمن على فهم معاني القرن الكريم وتدبرها ما يلي:

1.             معرفة اسم السورة: إن معرفة اسم السورة أمر معين على فهم السورة بصورة صحيحة.

2.             معرفة ما تدور حوله السورة: أي معرفة القضية التي تعالجها السورة.

3.             الوقف والابتداء الصحيح: يعين على الفهم السليم للقرآن الكريم.

4.             الوقوف عند حسن التلاوة وجمال الصوت: الصوت الجميل مطلوب لكن لا يجب أن يكون هو الغاية والهدف، فبعض الناس يسمعون لمشايخ يترنمون بالقرآن في رمضان، لكن لا يتجاوز هذا المعنى عقولهم، فهذا يكون حائلا بينهم وبين فهم القرآن الكريم.

5.             المعايشة: أن نحتضن القرآن الكريم بالغدو والعشي.

6.             حضور القلب: أن يكون المؤمن حاضر القلب غير مشتت البال.

7.             المدارسة: أن يقرأ بعض المؤمنين على بعضهم ويسأل بعضهم بعضا، كما درس سيدنا جبريل عليه السلام القرآن مع النبي صلى الله عليه وسلم.

8.             صدق الطلب: السعي إلى حصول النية الصادقة، “اللهم يا معلم آدم علمني ويا مفهم داود فهمني”.

9.             سلامة القراءة والترسل فيها: أي أن يصلي المؤمن بالآيات التي يحفظها في الليل، لأن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا، والحفظ هناك يثبت.


[1] فاطر: 29
[2] صحيح ابن حبان، كتاب العلم، باب الزجر عن كتبة المرء السنن مخافة أن يتكل عليها دون الحفظ لها.
[3] آل عمران: 110.
[4] الفرقان: 30.