الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم.

على قدر التعلق بالله عز وجل والشوق إليه، وطلب ما عنده، تكون الرغبة كبيرة والإرادة قوية، فيجتهد المؤمن الصادق في الذكـر والعمل الصالـح.

وعلى قدر النية والعزيمة تتنبه القلوب الحيـة لاغتنام الفرص الربانية والأيام المباركة ومنها شهر رمضان، وتعـقد العزم الصادق على التقرب إلى الله تعالى. فالنية عند المقربين خير من العمل. وقد جاء في الحديث: “نية المؤمن خير من عمله”، والنية أمر عميق في الإنسان، وبه يتفاوت العباد عند الله تعالى. لذلك قال أبو الدرداء رضي الله عنه: (يا حبذا صومُ الأكياس وفطرُهم كيف يغبنون صوم الحمقى). فالكيِّـس يعظم شأن النية في العمل لأنها سر العمل وأساسه وروحه. وعلى ذلك نبه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حين قال: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” 1. قال الإمام الخطابي: (إيمانا واحتسابا: أي نية وعزيمة، وهو أن يصومه على التصديق والرغبة في ثوابه طيبة به نفسه). وقال الإمام البغـوي: (احتسابا: أي طلبا لوجه الله تعالى وثوابه). فعلى العاقل أن يتوجه بهذا العمل الشريف لله تعالى طلبا للاستقامة وحبا ورغبة وشوقا. فمن آمن بالله وجبت عليه الاستقامة لقوله تعالى: فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا. والله قد يسر الاستقامة إليه عز وجل في شهر رمضان بنص الحديث النبوي: “إذا كان أول ليلة من رمضان، تصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصوا فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، وينادي منادٍ؛ “يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر”، وفتحت أبواب السماء فلا يغلق منها باب حتى يكون آخر ليلة من شهر رمضان”.

ومن الهمة والشوق ترك العادة، والتشمير للعمل والاستزادة من القربات؛ يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: (غالب المُربين يخبرون أن الإرادة ترك العادة، وأن الهمة نهوض القلب في طلب الحق. وقالوا: الإرادة لَوْعة تُهَوِّن كل روعة! لوعة على ماذا؟ وروعة من ماذا؟ إذا كان لا يزورك هَم بالعاجلة ومعناها، والآجلة ومبناها، ولا يخامرك خاطر طلب الحق كما طلب الرجال) 2.

طالع أيضا  فيوض الخير في رمضان

وقال الإمام ابن القيم في تفصيل الإرادات والهمم: (لذّة كل أحد على حسب قدْره وهمته وشرف نفسه. فأشرف الناس نفسا، وأعلاهم همة، وأرفعهم قدرا، من لذّته في معرفة الله، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتودد إليه بما يحبه ويرضاه. فلذته في إقْباله عليه، وعكوف همته عليه. ودون ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله، حتى تنتهي إلى من لذته في أخس الأشياء من القاذورات والفواحش في كل شيء من الكلام والفعال والأشغَال) 3.

ولنا في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة؛ فقد كان شوقهم كبير وهمتهم عالية كلما أقبل شهر رمضان، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: “كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا نظروا إلى هلال شهر شعبان أَكَبُّوا على المصاحف يقرؤونها، وأخرج المسلمون زكاة أموالهم ليتقوى بها الضعيف والمسكين على صيام شهر رمضان، ودعا الولاةُ أهْلَ السجن، فمن كان عليه حدّ أقاموه عليه وإلا خلوا سبيله، وانطلق التجار فقضوا ما عليهم وقبضوا ما لهم. حتى إذا نظروا إلى هلال رمضان اغتسلوا واعتكفوا”. وكان هذا حال السلف الصالح رضي الله عنهم في استقبال شهر رمضان، وهو التفرغ الكلي له بالاعتكاف وصدق التوجه. كان شوقهم كبيرا، فنالوا منه كثيرا. ونحن في زماننا نطهر قلوبنا ونُقبل على الله ونستمطر رحمته؛ لـنكثر من العمل الصالح، ومن الصدقة، ومن قراءة القرآن ومن ذكر الله تعالى؛ في العمل، وفي الطريق، مع أهلنا وعائلتنا، ومع من نحبّ.

اللهم أنهض هممنا إليك لطلب ما عندك، وحقق رجاءنا بقربك، ووفقنا لما تحب وترضى، آمين والحمد لله رب العالمين.


[1] رواه الإمام النسائي في سننه.
[2] كتاب الإحسان، للإمام عبد السلام ياسين، ج: 1، ص: 125-127.
[3] كتاب الفوائـد، لشيخ الإسلام ابن القيم، الصفحة: 150.