رحم الله العلامة الورع، ابن النحوي القيرواني، ناظم قصيدة المنفرجة في بدايات القرن الخامس الهجري، والتي جاء في مطلعها:

اشتدي أزمة تنفرجي ** قد آذن ليلك بالبلج

روعة وجمال في المبنى والمعنى، تحلية وتزكية للنفوس والقلوب، يقين وثقة في نصر الله وفرجه، بعث للأمل ورفع للهمم وشحذ للإرادات والعزائم.

ما أحوج أمتنا في هذه المرحلة الدقيقة إلى خطاب يبشر بالنصر والتمكين، ويطرد الشعور باليأس والإحباط، وينازل مخططات أعداء الأمة التي تروم غرس مخالب الاستسلام والخنوع في جسمها وروحها، والرضوخ للأمر الواقع الموسوم بالقهر والعجز والوهن والفرقة.

واجب على علماء الأمة ووعاظها أن ينصب جهدهم نحو التذكير بوعد الله تعالى للمسلمين بالنصر والتمكين والأمن والأمان، وحثهم على التحلي بالتقوى والصلاح وإنابتهم للحق سبحانه، الذي قال في كتابه العزيز: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا 1.

يُطلب إلى دعاة ومفكري الأمة ونخبتها أن يعملوا على تحرير إرادات وقلوب وعقول أبنائها سعيا لتحقيق المؤمل منها، وإزاحة ركام الجمود والخنوع الذي أصابها، وهذا ما نادى به الأستاذ والإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى بقوله: “تلتف الجماهير حول طليعتها عندما تناجي القلوب القلوب، وينور العقل العقول، وتقترب الأنفاس خاشعة جميعا في صف الصلاة”.

أزمتنا أزمة قيادة ربانية حانية تنشد العدل بين الناس وتحتكم لشرع الله تعالى ولا تخاف في الله لومة لائم، اقتداء بالسلف الصالح أمثال خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي وعمر بن عبد العزيز وغيرهم كثر، والذين وصفهم العالم المقتدر البهي الخولي بقوله:

“فتحوا أقطار الأرض لأنهم فتحوا قبل ذلك أقطار النفوس، وأضاءوا الدنيا بنور الحق، لأنهم أطلعوا شموسه قبل ذلك في حنايا الصدور، وأسعدوا البلاد بنعمة العدل والحرية والإيثار، لأنهم بثقوا ينابيعها قبل ذلك في خفايا القلوب، وانبعثوا إلى تخليد الباقيات الصالحات من الأعمال والأخلاق والمبادئ، لأنهم انبعثوا بهمة لا ترى لها متعلقا دون عرش الله عز وجل”.

إن صمود الأمة وصبرها على المحن التي تواجهها، هو السلاح القوي الذي تمتلكه الآن في مواجهة عدوها، تكشف به فلس وإفلاس مشروعه ومرجعيته المتغولة المستبدة.

لا يمكن لمن يدعي تشبعه بمبادئ العيش المشترك والتراحم الدولي واحترامه للقيم الإنسانية الكونية المتعارف عليها، أن يصمد أمام جرائم العدو البشعة التي ارتكبها أو سكت عنها في فلسطين والعراق الحبيبتين، وفي اليمن وسوريا الجريحتين، وبورما وأفغانستان المنكوبتين، ولعل أحداث قصف الآمنين من الأطفال والنساء والمدنيين بغزة على يد العصابة الصهيونية أمام الصمت الدولي المطبق والانحياز الأمريكي المكشوف، سيبقى وصمة عار في جبين وتاريخ الغرب، الذي لا يمكن أن نقول عنه إلا أنه سفاح متعطش للدماء ومنافق بامتياز، وينهج سياسة الكيل بمكيالين، وأنه دق آخر مسمار في نعشه دنيا وآخرة.

وليعلم الظالمون أن الله يمهل ولا يهمل مصداقا لقوله عز وجل: ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء. صدق الله العظيم.


[1] سورة النور، الآية: 55.