شاركتم أستاذ حمداوي في ندوة “الإسلام السياسي في سياق الثورات العربية” قبل أسبوعين في باريس، وطرحتم جملة من الاقتراحات. ما الناظم الأساس الذي ينظم الأفكار التي طرحتموها في مشاركتكم؟

فعلا شاركت إلى جانب ثلة من الباحثين في ندوة فكرية نظمها مركز “قصد” بباريس بفرنسا في موضوع “الإسلام السياسي في سياق الثورات العربية” يوم 30 مارس 2019. وقد حضر الندوة لفيف من الأساتذة الجامعيين والطلبة الباحثين في سلك الماستر والدكتوراه من جامعة السوربون ومجموعة من الباحثين والمتتبعين.

أما الفكرة الأساس في المداخلة هي أن الدول العربية عموما يسود فيها الفساد والاستبداد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا مما يجعل مطلب التغيير ضرورة ملحة. ولن يتأتى هذا التغيير إلا إذا انخرط وأسهم فيه جميع الفرقاء السياسيين من أحزاب سياسية وهيئات نقابية وحقوقية ومنظمات المجتمع المدني وشخصيات مجتمعية، على أساس اتفاق مبدئي سياسي توافقي يتم بلورته عبر التواصل والحوار والاحترام المتبادل وعدم الإقصاء لأي مكون وقبول الآخر الاختلاف، من أجل تحديد أهداف ومسارات يتوافق عليها الجميع لتدبير مرحلة انتقالية معينة بناء على العمل المشترك الجاد والمسؤول، وتوظيف كل الطاقات الوطنية دون إقصاء أو تمييز.

ومن شأن هذا الاتفاق التوافقي – في شكل عهد أو وثيقة أو ميثاق – أن يتوج بخطة عمل ترجح المصلحة العليا للبلاد لإخراجها من المأزق الذي تتخبط فيه من جراء تبعات متلازمة الفساد والاستبداد، وتستمد قوتها من قوة الاقتراح الوطني الموحد وقوة الفرقاء المتوافقين.

من الأفكار اللافتة في مداخلتكم أنكم دعوتم إلى ما أسميتموه توافقا، يحقق أكبر قدر من الإجماع، وفق مبادئ وأهداف جامعة، ما السبيل للوصول إلى ذلك في واقع تطبعه الفرقة والتشتت؟

كما تمت الإشارة إليه لتحقيق أكبر قدر من الإجماع يجب على الجميع أن يغلب المصلحة العليا للبلاد وعدم الحرص على تحقيق المصالح الخاصة للأشخاص والهيآت والأحزاب، والقبول بالاختلاف، واستثمار كل الطاقات والكفاءات، والوعي بأن المستبدين إنما يستمدون قوتهم من ضعف وتشرذم المعارضة ومن ضعف التواقين إلى التغيير وتطبيق سياسة “فرق تسد”. وهذا التشرذم أساسه عدم احترام الآخر وتشبث كل من الفرقاء بتصوره ورأيه، وإعطاء الاختلافات الإديولوجية والفكرية أكثر مما يستحق.

ماذا حين يتعذر الإجماع والاتفاق وتحقيق المشترك، ما الآلية الموالية في تدبير الخلاف؟

ليس هناك من آلية أنجع من الحوار والإبقاء على التواصل المستمر، والعمل على المشترك وتطويره، وتأجيل المختلف حوله. وهنا يكتسي اختيار المتحاورين من الجهات المختلفة أهمية بالغة لإنجاح الحوار واحترام مبادئه وآدابه من طرف الجميع، واستحضار الغاية من هذا الحوار وأهدافه الاستراتيجية.

تطرقتم أيضا في مداخلتكم إلى “موقف اقتراحي وطني موحد” باعتباره استثمارا مهما لرصيد الثورات، ما الذي تقصدونه بذلك؟

نحن نتحدث في سياق مجابهة الفساد والاستبداد؛ تمت الإشارة إلى أن الاستبداد يستمد قوته من أمرين: من غياب تكتل الشعب من جهة ومن ضعف وحدة الفئات المعارضة من جهة أخرى، وبالتالي لمجابهة الاستبداد نحتاج إلى أمرين أساسيين؛ الأمر الأول: توافق بين جميع الفرقاء في الوطن يجسد أكبر قدر من الإجماع السياسي من خلال العمل على تقديم خطة عمل سياسية، والأمر الثاني: أن يتم إعطاء “القوة للاقتراح الوطني الموحد” من طرف الشعب؛ والمقصود بذلك أن ما يتم التوافق عليه بين الفرقاء ينبغي أن يستمد قوته من الشعب ومن الرصيد الذي اكتسبته القوة الاقتراحية في الميدان. وهذا ما يمكن فعلا من التأسيس لفعل ديمقراطي وطني في البلد.

طالع أيضا  تحديات أمام الإنسان الحامل للمشروع التغييري 1/3 .. التحدي السياسي

تطرقتم كذلك إلى العلاقات بين الكيانات ولخصتموها في مراحل كالتالي: مرحلة العداوة، ثم مرحلة الخصام، ثم مرحلة التنافر، بعدها التجاهل، ثم التعارف، ثم التواصل، ثم التعاون والتنسيق، ثم التحالف، بعدها يأتي الاتحاد، ثم الاندماج، في نظركم في أي مرحلة من المراحل تصنفون مكونات التغيير في المشهد المغربي؟ وهل بالإمكان الارتقاء إلى مستويات متقدمة؟

أعتقد أن مكونات التغيير في المشهد المغربي الآن قد تجاوزت ولو بنسب معينة مراحل العداوة والخصام ويمكن القول أنها في طور التواصل في طريق تحقيق التعاون والتنسيق المنشود.

وبخصوص سؤالكم حول مسألة ارتقاء الفرقاء إلى مستويات متقدمة؛ أجل، وهذا ما نصبو إليه، خاصة وأن دواعي التوافق تفرض نفسها، وقد تمت الإشارة إلى مجموعة من العوامل والأسباب الداعمة لهذا التوافق ولا بأس من التذكير بها، وهي:

أولا: الأوضاع في الوطن العربي الذي يعيش الفساد والاستبداد والحرمان والتخلف.

ثانيا: التسليم من قبل الجميع بأولوية الإصلاح السياسي والدستوري.

ثالثا: استحالة اضطلاع طرف معين بالمهام الكلية للتغيير مهما كانت قوة هذا الطرف وجماهيريته.

ورابعا: ضرورة التسليم بتعبئة كل مكونات الوطن من أجل كل بناء جاد.

ونحن نتحدث عن “الإسلام السياسي”، من المقولات الآخذة في الانتشار؛ أن الحركات الإسلامية آخذة في الانحصار. ما مدى دقة هذا الكلام؟

بداية ينبغي الإشارة إلى أن مصطلح “الإسلام السياسي” المتداول في الساحة السياسية غير دقيق، ففي الأصل هناك إسلام واحد. وهو أصل لما هو سياسي ودعوي وتربوي. فالإسلام دين شامل يمكن أن نستنبط منه المواقف والمبادئ والتوجيهات لمجالات شتى، بالمقابل يمكن الحديث عن حركات إسلامية تنبني في حركتها السياسية على المرجعية الإسلامية، بحيث تؤمن بالعمل السياسي السلمي المدني وبمبادئه المتعارف عليها بين مختلف الفرقاء.

أما بخصوص قولك “بتراجع وانحسار الحركات الإسلامية” فهذا القول يشوبه كثير من المغالطة ويحتاج إلى مزيد من الدقة؛ فالقول بانحسار أو انتشار أي تنظيم سياسي خلال فترة معينة وإطلاق أحكام قطعية من هذا القبيل يندرج في سياق تقييم أداء هذا التنظيم، وهو ما يتطلب امتلاك أدوات لقياس مسألة انحسار أو انتشار هذا التنظيم، ومعرفة المعايير المستند إليها والمؤشرات المعتمد عليها في هذا التقييم، فهل يمكن القول بأن عملية تقييم الحركة الإسلامية انطلقت من موقع هذه الحركات؟  هناك حركات إسلامية في موقع السلطة وأخرى في موقع المعارضة، أم عملية التقييم تمت بالنظر إلى مسألة النسبية بمعنى مقارنة الحركة الإسلامية بالنظم السياسية، أو مقارنتها بباقي التيارات السياسية اليسارية أو الليبرالية.

وعموما، وانطلاقا من وجهة نظري، فالقول بانحسار الحركات الإسلامية حكم مجانب للصواب، وما يؤكد ذلك مؤشرات عدة:

المؤشر الأول: مؤشر البقاء والاستمرار، إذا ما اعتمدنا الفترة الزمنية الممتدة منذ 2011 – أي منذ انطلاق الربيع العربي – إلى غاية 2019 حيث بوادر الموجة الثانية من هذا الربيع  كمجال لتقييم مسألة انحسار أو تمدد الحركة الإسلامية، فيمكن القول أن كل محاولات القضاء على الحركة الإسلامية في ظل التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة العربية لم تستطع النيل من هذه الحركات، بل بالعكس من ذلك لا زالت الحركات الإسلامية باقية ومستمرة.

طالع أيضا  أسس التوافق السياسي ومحدداته - محاولة تجميعية

المؤشر الثاني: قدرة الحركات الإسلامية على التنظيم والحفاظ على تماسكها؛ وعدم حدوث انشقاقات في داخلها. 

المؤشر الثالث: قدرة الحركات الإسلامية على امتلاك قاعدة جماهيرية تدعمها وتتعاطف معها.

المؤشر الرابع: القدرة على التكيف مع المتغيرات الراهنة، بحيث أصبحت تتعاطى معها بنفس الكفاءة الواجبة؛  فلم تعد تقوم على رد الفعل بل تسعى إلى الفعل.

المؤشر الخامس: القدرة على العمل المتميز في مجال السياسية أو الإعلام على سبيل المثال، والتي يمكن قياسها بعدد الرموز والكفاءات السياسية والإعلامية التي أفرزتها الحركة، على الأقل منذ 2010 إلى اليوم.

كلها مؤشرات تدل ولله الحمد على  استمرار وانتشار الحركة الإسلامية.

المقولة أعلاه – أفول الحركة الإسلامية – مبنية على فرضيتين: أن الإسلاميين فشلوا حين وصلوا إلى السلطة ومارسوا الحكم، والثانية أنهم لا يملكون أساسا مشروعا حقيقيا يخرج الأمة من مآزقها، كيف تقرؤون هاتين الفرضيتين؟

مقولة أفول الحركة الإسلامية هو تقييم سياسي غير منصف، بحكم ابتعاده عن الموضوعية العلمية المبنية على قواعد راسخة للتقييم والحكم على تجربة معينة، فإذا أخضعنا هذا الموقف للتحليل الهادئ والمنطق العقلاني والمعايير العلمية الموضوعية لخلصنا إلى أن من قال بهذه النتيجة إما أنه يعبر عن موقف سياسي معين، أو أنه يحلل الظاهرة بعيدا عن أدوات المنطق العلمي أو المتابعة الميدانية المتخصصة، أو أنه يقرأ عن الحركة الإسلامية من خلال الوسائط المغرضة، وفي كل الأحوال لن يصل لنتيجة تعكس الحقيقة الواقعية المنصفة.

إن كثيرا من الكتابات الأكاديمية المرجعية والدراسات العلمية الرصينة في الجامعات والمختبرات البحثية الغربية المتخصصة في الحركة الإسلامية تقول بالعكس من ذلك تماما، بل وخلصت منذ عقود إلى انتشار الظاهرة الإسلامية وامتدادها، وهي بالمناسبة نتيجة طبيعية لها أسباب فطرية ودينية وسياسية واجتماعية وفكرية وثقافية، وغيرها من العوامل الداعمة والمكملة قد يطول المجال لبسطها وتفصيلها.

أما القول بأن أفول الحركة الإسلامية جاء كنتيجة لفشل الإسلاميين حين وصلوا إلى السلطة ومارسوا الحكم، فإنه هو الآخر حكم قيمة، ونتيجة غير منطقية، بل يُعبر عن موقف سياسي، فمتى وصل الإسلاميون إلى الحكم؟ هذه مغالطات تاريخية، بعض التجارب اليتيمة هنا أو هناك قد أفشلت، بل وتم الانقلاب على شرعيتها كما حدث في مصر أو غيرها، بمصادرة العملية السياسية وإلغاء المسار الديمقراطي، بل والانقلاب على ما أفرزت صناديق الانتخاب التي عبرت فيها الشعوب على إرادتها الحرة في استحقاقات شهد العالم بنزاهتها.

إن القبول المجتمعي للخطاب الإسلامي، والانتشار الملحوظ للظاهرة الإسلامية، إنما هو يعبر على الالتفاف الواسع لفئة عريضة من الشعوب العربية والإسلامية، بعدما جربت نماذج سياسية بألوان مختلفة، فكانت إخفاقاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما تعانيه شعوب الأمة الآن من تخلف عام وانتشار للفساد وسيادة للاستبداد.

إن الحركة الإسلامية عموما، بِنت بيئتها، ونبض أوطانها، ومنها العدل والإحسان، التي تمتلك بفضل الله مشروعا مجتمعيا مبنيا على رؤية واقعية وفهم عميق للواقع المغربي، مشروع ذو عمق استراتيجي وأفق استشرافي وأبعاد توافقية مع مختلف أطياف المجتمع.

في خضم نقاش الإسلام السياسي، كيف تميزون بين المرجعية الإسلامية وفرعها عن التصور السياسي؟ وما هو الميدان المناسب لكل منهما؟

في التعاطي مع الشأن العام عموما، ينبغي التمييز بين المشاريع المجتمعية، التي تعبر عن الكليات التصورية والقضايا الكبرى المبدئية والأسس والمنطلقات الفكرية، وبين الفعل السياسي باعتباره فرعا منها، فلا يمكن تحميل الواقع المتغير والتدافع المطلوب فيه كليات المشروع العام، وإلا فبهذا المنطق لن تكون هناك مساحة للتنسيق والتوافق والعمل المشترك بين شركاء الوطن الواحد، وبالتالي فالتصور السياسي يتفاعل مع هذا الواقع وفقا لمقتضياته الظرفية.

طالع أيضا  الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1/4)

وبناء عليه، يظل العمل السياسي الساعي لتحقيق مطالب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية يقتضي من جميع الأطراف بحث القضايا المتفق عليها، والاشتغال عليها بكل الوسائل المشجعة للعمل الجماعي والتنسيق الميداني، فهذا من الأولويات، وكل التجارب المقارنة في الانتقال الديمقراطي كانت هذه إحدى الرافعات المهمة التي حققت التغيير، وتمت على أساسها عملية الانتقال الحقيقي إلى الديمقراطية.

ما الأفكار الكبرى التي تقترحها جماعة العدل والإحسان لتدبير مراحل الانتقال نحو الديمقراطية، والتي تشكل الحركات الإسلامية إحدى أطرافها إلى جانب قوى أخرى؟

تعتبر جماعة العدل والإحسان أن التحول إلى الديمقراطية يطلب تضافر جهود جميع الفرقاء شركاء الوطن الواحد، وهذا يقتضي من مختلف الفاعلين الحرص على بناء أجواء الثقة، من خلال الحوار المفتوح لتقريب وجهات النظر وتحقيق التفاهم والتقارب من أجل العمل المشترك في القضايا ذات الأولوية المجتمعية، بعيدا عن التحزب الضيق، ذلك أن البلاد بحاجة ماسة لكل كفاءاتها.

وهذا يقتضي عدم الخلط بين مقتضيات الخلاف الفكري أو الإيديولوجي والخلاف السياسي، لأن مراحل الانتقال تتطلب اصطفافا سياسيا وليس إيديولوجيا، ومن شأن مناقشة قضايا الهوية مثلا أن يكرس الانقسام العمودي في المجتمع، ومن شأنه كذلك أن يخلق حالة استقطاب لها تداعيات سلبية على أولويات العمل المشترك، ولنا أن نستفيد من تجربة الهند التي تمتاز بتوفرها على تعدد لغوي يصل إلى 800 لغة وبتعدد اثني وعرقي وطائفي، إلا أنها حافظت على انتقالها الديمقراطي رغم خصوصية مجتمعها، نفس الأمر عرفته كذلك التجربة الاندونيسية.

إن تدبير المراحل الانتقالية يطلب التمييز بين كل مرحلة ومقتضياتها، فمرحلة التغيير مثلا تطلب التضحية، ومرحلة التأسيس تطلب التوافق، ومرحلة البناء بعد الترسيخ الديمقراطي تطلب التنافس.

ويظل بناء وطن يسع جميع أبنائه يقتضي عملا جماعيا، بعيدا عن منطق الاستفراد أو الاستحواذ، فالخرق أكبر من الراقع كما يقول المثل، والتوافق حول كيفيات الانتقال الديمقراطي يحتاج إلى تسويات وتوافقات تاريخية بين الجميع.

أشرتم أيضا في مداخلتكم إلى الفرق بين التغيير الديمقراطي وغيره من الأشكال التي قد تنتج سلطويات جديدة، ما هي المعايير الحاسمة بين التوجهين؟

التغيير الديمقراطي الحقيقي له محدداته ومعاييره المعتبرة، ولا يمكن اعتبار قيام نظام ما بإعادة إنتاج نفسه تحت ضغط الشارع، عبر نهج استراتيجية تغيير الواجهات، والقيام بإصلاحات ترميمية لواجهات الفساد والاستبداد، سرعان ما يرتد عنها حينما يضعف الضغط الشعبي، فلابد من ابتعاد المعارضة عن إغراءات النظام، وهذا ما أثبتته التجربة العملية من خلال العمليات الالتفافية التي عرفتها الموجة الأولى من ربيع الشعوب الديمقراطي.

لا بد من وعي الجميع بأهمية المرحلة الدقيقة التي تمر منها أمتنا، ولابد من الابتعاد على الخطابات الإيديولوجية التي تستدعي خلافات الماضي، أو تتنبأ بخلافات المستقبل، بل على الجميع أن يحرص على خطاب وطني توافقي جامع، ولنا في تجارب الانتقال الديمقراطي المختلفة خير الدروس وخير العبر.