بمناسبة عيد العمال الأممي، وتسليطا للضوء على الواقع النقابي وامتداداته الاجتماعية والسياسية، وواقعه وتحدياته، وكيفية الخروج من تراجع أدواره… أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الأستاذ هشام ياسين عضو المكتب الوطني للقطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان، هذا نصه:

ماهي أبرز ملامح المشهد الاجتماعي بالمغرب؟

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام التامتان الأكملان على رسول الله وآله وصحبه وإخوانه وحزبه.

بداية نهنئ الطبقة العاملة بمناسبة عيدها الأممي، ونترحم على أرواح عاملات أنزا بمدينة أكادير، وقبلهن عاملات مولاي بوسلهام، وكل شهيدات وشهداء لقمة الخبز، تقبلهن الله في واسع رحمته، ونسأله تعالى الشفاء العاجل لكل المصابين.

ثم، لابد أن نذكر بأن الوضع الاجتماعي يزداد سوء يوما بعد يوم، نتيجة القرارات المجحفة وغير العادلة التي سنتها الحكومات خلال السنوات الأخير كتجميد الأجور ثمان سنوات، وتحرير الأسعار، وتقليص نفقات صندوق المقاصة، ورفع الدعم عن المواد الاستهلاكية، وتسريع وتيرة خوصصة القطاعات الاجتماعية، وتخريب الخدمات العمومية، والاقتطاع من أجور المضربين، ورفع سن التقاعد واقتطاعاته المتتالية، وإقرار التعاقد في الوظيفة العمومية، وتسليع التعليم وتفويته للقطاع الخاص عبر تمرير مشروع القانون الإطار 17-51، وغيرها من الكوارث …

يأتي هذا الهجوم الكاسح ليجسد واقع البؤس السياسي الذي أصبحنا نعيشه اليوم في ظل العولمة النيولبرالية المتوحشة، وتكريس التبعية المكشوفة لإملاءات صندوق النقد الدولي، وباقي اللوبيات المالية العالمية، وفي سياق وطني موسوم بالفشل الذريع في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلد.

في مقابل ما ذكرنا، يزداد الاحتقان في الشارع، ووتيرة الاحتجاجات بلغت ذروتها أفقيا وعموديا: آلاف الأساتذة بمختلف فئاتهم يحتجون في الشوارع ليواجهوا بالقمع والتنكيل، وطلبة الطب وطب الأسنان والصيدلة في إضراب شامل منذ أزيد من شهرين، وتقنيو ومتصرفو الإدارات العمومية والجماعات الترابية في اعتصامات وإضرابات مستمرة، والأطباء والممرضون وتقنيو الصحة في حداد مستمر (استقالات الأطباء من القطاع العام لتصل إلى 995 مستقيل مع نهاية الأسبوع الجاري)…

طالع أيضا  بيان القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان بمناسبة عيد العمال العالمي

ثروات تتكدس هناك، وفقر ينمو هنا، واحتجاجات تتراكم ولا مجيب إلا القمع.

لماذا لا نرى مواكبة ميدانية لكل هذه النضالات الفئوية من طرف المركزيات النقابية؟

الحقيقة أن هناك أزمة بنيوية يعرفها العمل النقابي في المغرب، فقد تخلى للأسف عن الكثير من قيم ومبادئه المؤسسة، التي من أجلها وجد، ولقد كان للنظام المغربي وبطبيعته التسلطية الاستبدادية الأثر الكبير في تكسير وحدة الحركة العمالية، والتضييق عليها وخنقها، وإجهاض أحلامها وأحلام حلفائها السياسيين منذ البدايات، بالإضافة إلى إشكاليات أزمة الديموقراطية الداخلية، وانتشار ثقافة البيروقراطية، وضعف التعبئة النضالية الحقيقية، وارتهان النقابي بالحزبي، مما يسهم في تشتت العمل النقابي وتمزيق وحدة الطبقة العاملة، حتى أصبحنا نتحدث عن عشرات المركزيات النقابية مقابل عزوف واسع عن الانخراط في صفوفها، فنسبة “التبطيق” لا تتعدى 5 في المائة فقط، بلا فاعلية حقيقية على أرض الواقع.

نقول هذا بمرارة وأسف، لكنه الواقع الذي لا يمكن القفز عنه، ومصارحة الذات بداية العلاج. واقتحام هذه الإشكالات هو ما يسهم في الرفع من فاعلية العمل النقابي، وتحسين أدائه، وهذا لن يتأتى إلا بوضوح الرؤية والتصور وتجديدها، وهذا يحتاج لفتح نقاش واسع يشارك فيه الجميع ولا يستثنى أحدا من الغيورين للنهوض بهذه المؤسسة المجتمعية الاستراتيجية.

يتحدث البعض عن انتهاء النقابات، وأن المعول على التنسيقيات الفئوية؟

التنسيقية تنتهي بتحقيق المطلب الفئوي المرفوع، أما النقابة فهي آلية أساسية في النضال السياسي والاجتماعي، ورافعة لتحقيق التوزان بين مختلف السلط، وهي مؤسسة دستورية، للدفاع عن قضايا الفئات الاجتماعية المختلفة، والإسهام في تحقيق التحرر والانعتاق.

العيب ليس في النقابة كإطار يقوم بالدور المنوط به، فالتجربة البولونية، في ثمانينيات القرن الماضي، من خلال نقابة “تضامن” بقيادة ليش فاليسا، والتجربة التونسية الحديثة في عهد “الاتحاد العام التونسي للشغل”، وما يقوم به تجمع المهنيين في السودان، خير مثال على الدور الذي يمكن أن تلعبه النقابات في التحولات التاريخية الكبرى في بلدانها، وفي محيطها، بل وفي العالم.

طالع أيضا  عشية الجلسة الأولى لمحاكمة د. بن مسعود.. قطاع التعليم العالي يصدر بيانا تضامنيا

لذلك، لا غرو أن تفشل كل التحولات التي تعرفها الدول في غياب حركة نقابية قوية ومتماسكة.

إن الحراك الفئوي الميداني لا ينبغي أن ينصب نفسه خصما للعمل النقابي، بل هو جزء لا يتجزأ منه، وعليه أن يقوى ويتجذر وينفتح على بعضه بعضا بما يفرض على القيادات النقابية الاستجابة للخط النضالي الصاعد، وبما يسهل عملية إعادة صياغة الحركة النقابية الموحدة من جديد.

وقعت الحكومة في 25 من الشهر الجاري على اتفاق مع بعض المركزيات النقابية. كيف ترون هذا الاتفاق؟

أولا، يجب التذكير بأن ما حصلته الشغيلة في اتفاق 26 أبريل 2011 كان نتيجة مباشرة للحراك الشعبي آنذاك، ومن ثمرات 20 فبراير 2011، وفي غياب الضغط على الحكومة لا يمكن أن يأتي أي اتفاق بنتائج مرضية، وهذا حال اتفاق 25 أبريل 2019، فبعد ثمان سنوات عجاف تأتي الحكومة لتقترح زيادة بين 400 و500 درهم على ثلاث دفعات إلى غاية 2021، وزيادة 10 في المئة في SMIG وSMAG، والباقي كله تسويف وتلاعب بالمصطلحات. الاتفاق هزيل وفارغ.

كان من المفروض أن يكون المطلب الرئيس هو ربط الأجور بالأسعار، فمعلوم أن الحكومات كلما أرغمت على الزيادة في الأجور إلا وأعقبت ذلك بزيادات في أسعار السلع والخدمات، إذ تأخذ بيسارها ما تقدمه بيمينها. ومعالجة كل القضية الكبرى الاجتماعية والمهنية والنقابية لا التعبير عن نيتها في حلها دون التزام.

الحكومة تستجيب عندما تخضع للضغط، وقد أثبتت الحركات الاحتجاجية غير المؤطرة نقابياً وسياسياً قدرتها على ممارسة الضغط على الحاكمين، فيما تُثبت النقابات، المعترف بها رسمياً، فشلها كل يوم في الحفاظ على وحدتها، والدفاع القوي عن مصالح العمال والموظفين، مما يعمق الهوة بين النقابيين والقاعدة العمالية.

كيف يمكن لهذه النقابات أن تتقوى في رأيكم؟

طالع أيضا  "أمنيستي" تنبه الحكومة المغربية إلى ضمان الحق في العمل النقابي للعمال

إن مقترح “الجبهة النقابية”، الذي ما فتئنا ندعو إليه في كل مناسبة، ما زلنا نراه صالحا ومناسبا، ومن شأنه أن يجمع الشتات ويقوي الصف النقابي المناضل، ومن شأنه متى صدق القصد أن يحقق التعبئة الجماهيرية القوية التي هي شرط وجود لأي عمل وفعل نضاليين.

إن النقابات اليوم مدعوة إلى مراجعات نقدية لتجاربها، والتصالح مع قواعدها، وبناء وحدة نضالية متماسكة وقوية توحد الجهود وتصمد أمام التسلط المخزني وتعنته، وفي هذا يجب أن يتنافس الغيورون على الحركة النقابية.

إن الخيار الوحيد أمام الفاعل النقابي لتعبئة الطبقة العاملة والتأثير النضالي في قرارات السلطة هو توحيد الصف النقابي في جبهة نقابية مناضلة وموحدة، يؤسس لها بحوار جدي ومسؤول بين مختلف المؤسسات والفعاليات النقابية يفضي إلى ميثاق أخلاقي نضالي، ويشكل أرضية تنسيق الجهود وتوحيدها.