تم، بتاريخ 28 أبريل 2019، تنظيم انتخابات تشريعية بإسبانيا، وقد عرفت هذه الانتخابات، كما كان متوقعا، فوز حزب العمال الاشتراكي PSOE بـ123 مقعدا، أي ما يعادل 29 في المائة من الأصوات، وكان الخاسر الأكبر، كما كان متوقعا أيضا، الحزب الشعبي PP، الذي تراجع من 134 مقعدا في الانتخابات السابقة إلى 66 مقعدا في هذه الانتخابات. وبين ربح وخسارة الحزبين الأساسيين، لا تخلو هذه الانتخابات من دلالات وتحديات، منها ما يرتبط بالداخل الإسباني، ومنها ما يرتبط بدول الجوار، خاصة الدول المغاربية. من أبرز تلك التحديات والدلالات:

أولا: رغم أن هذه الانتخابات كانت هي الثالثة التي عرفتها إسبانيا خلال الأربع السنوات الأخيرة، فإن ذلك لم يمنع من تسجيل نسبة مشاركة مهمة بحيث بلغت 75,8 في المائة، بتزايد 9 نقط عن الانتخابات السابقة، التي نظمت منذ سنتين. ولعل هذا يشكل تحد لدول الجوار المقبلة على الانتخابات، منها المغرب الذي تؤكد العديد من المؤشرات الحالية على أنه سيواجه إشكالا حقيقيا فيما يتعلق بنسبة المشاركة.

ثانيا: يعود ارتفاع نسبة المشاركة إلى مستوى التنافسية الانتخابية. فقد وُصفت هذه الانتخابات بأنها الأكثر تنافسية في إسبانيا منذ عقود. ظهر ذلك من خلال النقاشات الإعلامية الساخنة في العديد من القضايا، في مقدمتها قضية الإجهاض وقضية الوحدة والموقف من الطرح الانفصالي لإقليم كاتلونيا، بالإضافة إلى التباين الواضح على مستوى بعض البرامج الانتخابية فيما يتعلق ببعض القضايا الاقتصادية والاجتماعية. هذه التنافسية الانتخابية تُشكل هي الأخرى تحد لدول الجوار، خاصة الدول المغاربية.

ثالثا: سقوط الاستثناء الإسباني، وتأكيد تنامي اليمين المتطرف بأوروبا، فبعد أن حصل حزب Vox على 12 مقعدا في انتخابات الجهة الأندلسية منذ 4 أشهر، عاد ليحصل على 24 مقعدا في الانتخابات التشريعية الوطنية، أي بما يعادل 10 في المائة من الأصوات، وتظهر حقيقة هذا التنامي حين نعلم أن هذا الحزب لم يتجاوز في الانتخابات التشريعية السابقة، التي أجريت في يونيو 2016، نسبة 0,2 في المائة من الأصوات. وبهذا يكون هذا الحزب أول حزب يميني متطرف يستطيع أن يفوز بأكثر من مقعد واحد منذ وفاة الجنرال فرانكو سنة 1975.

لقد كان لعزف هذا الحزب على وتر الوحدة والمعارضة الشديدة للانفصال تأثير إيجابي واضح فيما يتعلق بالتصويت عليه، لكن هذا التنامي لليمين المتطرف يشكل تحديا للشعب الإسباني بالنظر إلى ميولاته السلطوية ومناهضته لحقوق المرأة، كما يشكل تحديا للدول المجاورة، خاصة الدول المغاربية، بالنظر إلى موقفه المتطرف من الهجرة والمهاجرين.

رابعا: تأكد أن الحزب الذي تنهكه السلطة لا يمكنه تحسين صورته الذهنية لدى الناخب بسرعة، وإن كان من حجم الحزب الشعبي. فقد تعرضت الحكومة التي كان يرأسها “ماريانو راخوي” عن الحزب الشعبي لحجب الثقة في يونيو الماضي، ليتولى “بيدرو سانشيز” رئيس حزب العمال الاشتراكي الإسباني رئاسة الحكومة، ورغم ما قام به الحزب الشعبي من جهد لم يمنع ذلك من تلك الخسارة الانتخابية المدوية. وفي المقابل، رغم أن الحكومة برئاسة الاشتراكي “سانشيز” لم تنجز الشيء الكثير، فإن ذلك لم يمنع من التصويت على الاشتراكيين ليحتلوا المرتبة الأولى، وكأن الناخب الإسباني يقول: إني أتفهم إكراه الزمن القصير وإكراه غياب المساندة البرلمانية. لكن إذا ما ترأس هذه المرة الاشتراكيون الحكومة بالتأكيد لن يتفهم الناخب ضعف إنجازهم.

خامسا: يمكن لحزب سياسي معين أن يحقق في لحظة من اللحظات فورة شعبية، بسبب ما قد يتبناه من خطاب شعبوي، لكن التحدي هو أن يكون هناك تطور وتقدم في المسار الانتخابي لذلك الحزب. فحزب “بوديموس”، الذي لفت الانتباه في السابق، وشكل اختراقا لنظام الثنائية الحزبية في إسبانيا، حافظ على مكانته بحصوله على 42 مقعدا دون إحراز أي تقدم. ومن أسباب ذلك ما عرفه هذا الحزب من مشاكل داخلية، كما أن خطابه ذي النزعة اليسارية الراديكالية بدأ يفقد بريقه.

سادسا: لقد فاز الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني بـ123 مقعدا، أي أغلبية نسبية فقط، وليس أغلبية مطلقة في البرلمان، الذي يبلغ عدد مقاعده 350 مقعدا، مما سيضطر معه الاشتراكيون إلى السعي لتشكيل تحالف حكومي، وهي مهمة ليست بالسهلة، خاصة أنه حتى بانضمام الحليف الأساسي الذي هو “بوديموس” لن يتجاوز عدد المقاعد 165 مقعدا، مما سيدفع ربما في اتجاه الانفتاح على بعض الأحزاب اليسارية الصغيرة. والتحالف المحتمل الآخر، الذي هو التحالف اليميني، والذي قد يتشكل من الأحزاب الثلاثة: الشعب والمواطنون وفوكس Vox، هو الآخر يبقى بعيدا عن الأغلبية المطلقة، بعدد مقاعد لا يتجاوز 147 مقعدا.

إن تحدي تشكيل الأغلبية الحكومية يجعل إعادة الانتخابات سيناريو واردا مرة أخرى. ولحسن الحظ، تُكلف الانتخابات في إسبانيا جهودا مالية ولوجيستية، لكنها لا تكلف أرواحا، كما حدث في أندونيسيا، حيث أعلن فيها رسميا عن وفاة 270 شخصا، ليسوا من أنصار المترشحين، ولكن، وهذا ما يثير، ممن شاركوا في إدارة الانتخابات، التي أجريت منذ 11 يوما، بسبب الإرهاق والمرض الذي أصابهم أثناء إدارة العملية الانتخابية وفرز الأصوات. فقد كان عملهم جد مرهق، لأنها المرة الأولى التي يتم فيها الجمع بين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في دولة يقدر عدد سكانها بـ260 مليون نسمة.