الحمد لله المستحق للحمد بلا انقطاع، والشكر له شكرا بأقصى ما يستطاع، فقد وجب على كل ذي مقالة أن يبتدئ بحمد الله قبل افتتاحها، كما بدأه الله تعالى بالنعمة قبل استحقاقها. وصلى الله تعالى على محمد خير مبعوث، وأفضل وارث وموروث، صدع بالحق، ونطق بالصدق، ودل على جميع مسالك الهدى، ودعا إلى ما هو خير وأبقى، وحذر من سبل الضلال والردى.

مع دخول النصف الأخير من شهر شعبان بدأت نسائم الشهر الكريم تهب تباعا، فالله نحمد على أن بلغنا شعبان، ونسأله أن يبلغنا رمضان نحن وجميع المسلمين آمين.

أخي في الله، لقد مضى رمضان السنة الماضية وبقينا بعده نعض أناملنا أسفا وحسرة وندامة على الأوقات التي ضيعنا فيه، وكانت أمنيتنا أن يطيل الله أعمارنا حتى ندرك رمضان المقبل، وها أنا وأنت قد أنسأ الله في آجالنا حتى إننا لنكاد ندرك رمضان المقبل، فما هي إلا أيام قلائل ويهل هلاله. فماذا نحن فاعلون؟

ونحن نستقبل الشهر الطاهر المطهر، نود أن نذكر أنفسنا أولا، وقارئ مقالنا ثانيا ببعض المحطات التي نرى أنها ضرورية لكل من يريد الاستعداد على أتم وجه لهذا الشهر الكريم، ويطمع في الخروج منه بالربح الكبير، وهو العتق من النار، وهذه المحطات هي كثيرة، ولكن آثرنا أن نتحدث في هذا المقام عن ثلاث منها.

أولها: أهمية الوقت

لقد نبه الله تعالى في كتابه الكريم إلى أهمية الوقت، إذ أقسم به في أكثر من موضع، والله تعالى لا يقسم إلا بالشيء العظيم من مخلوقاته. قال تعالى: وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، وقال أيضا: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، وقال كذلك: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى. وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى.

بل وجعل هذا الوقت من رحمته بعباده التي منّ بها سبحانه على هذا الإنسان، فوجب عليه أن يشكر ربه عليها، فقال: وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (القصص: 73). وجعل نعمة الوقت من أجل النعم التي تستحق الحمد فقال: وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (إبراهيم: 33).

إن هذه الآيات كلها تدعونا إلى التفكر في هذه الآية العظيمة من آيات الله، هذا الوقت الذي يجري باستمرار، لا يتوقف، فهل تفكرنا في ذلك؟ إن كل يوم يمر فإنه يطوى من أعمار، وينقص من رصيدها، كل يوم يمر فإنه يقربنا من الآخرة، ويبعدنا من الدنيا، كل يوم يمر فإنه لن يعود أبدا. قال الحسن البصري رحمه الله: (ما من يوم ينشقُّ فجره إلا ويُنادي: يا ابن آدم أنا خلقٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فتزوّد منِّي فإني إذا مضيتُ لا أعود.. إلى يوم القيامة). وقال أيضا: (يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك). الله أكبر! كم من الأيام مضت على حين غفلة منا دون أن ننتبه! وكم مضى من بعضي وبعضك!

قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عُمُرِه فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به” رواه الترمذي.

طالع أيضا  ذكرى بدر الكبرى…تلك الملحمة الخالدة

ففيما أمضينا هذه الأيام التي انصرمت من أعمارنا؟ وهذا الشباب النشيط المتوهج؟ هل اغتنمناها في التقرب إلى الله بالعمل الصالح، والعبادات، والإحسان إلى خلق الله فتكون لنا دخرا عند ربنا نفرح به يوم لقائه؟ أم قضيناها في الغفلة والمعصية، والتفاهة، فتكون علينا ندامة يوم القيامة؟ فلنستمع أخي إلى من عرف قيمة الوقت يحدثني ويحدثك عن أهمية الوقت، فهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول لنا جميعا: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي).

أخي، هذه الأيام المتبقية من شعبان يجب أن نقف فيها وقفة نحصي فيها ما مر من أعمارنا، ونقيّم حصيلتنا من هذا العمر المنصرم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، وليسأله أن يديم عليه نعمه ويزيده ثباتا، ومن وجد غير ذلك فليتهم نفسه، وليبادر إلى تدارك ما فات، لعل الله يتجاوز عنه.

ولنستمع بقلوبنا إلى هذه المحاورة الرائعة بين الفضيل بن عياض وأخ له التقاه:

لقي الفضيل بن عياض رجلا؛ فقال له الفضيل: “كم عُمُرك؟

قال الرجل: ستون سنة.

قال الفضيل: إذا أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله توشك أن تصل.

فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون.

قال الفضيل: هل تعرف معناها؟

قال: نعم أعرف أني عبد الله وأني إليه راجع.

فقال الفضيل: يا أخي، من عرف أنه لله عبد، وأنه إليه راجع، فليعلم أنه موقوف بين يديه، ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسؤول، ومن علم أنه مسؤول فليعد للسؤال جوابا.

فبكى الرجل، وقال: ما الحيلة يا فضيل؟

قال الفضيل: يسيرة.

قال: وما هي يرحمك الله؟

قال: تُحسن فيما بقي، يغفر الله لك ما قد مضى وما بقي. فإنك إن أسأت فيما بقي أُخذت بما مضى وما بقي.

الله أكبر! يا نفس، ويا قارئ مقالي كم سنك؟ منذ متى وأنا وأنت نسير إلى الله؟ إني وأنت نوشك أن نصل، فماذا قدم كل منا؟

ها قد منّ الله علينا وبلغنا رمضان، فلنحسن فيه، ولنستغل الوقت فيه – كل الوقت – فيما يعود علينا بالنفع في آخرتنا، فلعلنا لا ندركه سنة أخرى.

هذه هي الوقفة الأولى، وقفة مع الوقت، لنستفيق، وننفق هذا الرصيد الزمني بشح كبير، لا ننفقه إلا فيما يستحق: طاعة الله، والإحسان إلى خلق الله، والدعوة إلى الله، والسعي إلى الإصلاح في أرض الله.

ثانيا: التوبة إلى الله

التوبة واجبة في حق كل غافل ومقصر، بل هي واجبة في حق المؤمنين جميعا، فقد قال تعالى: ‏‏وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(النور‏:‏ 31‏). فالتوبة هي طريق الفلاح، وهي البداية الصحيحة للسلوك إلى الله. قال السادة الصوفية عليهم رحمة الله (التخلية قبل التحلية)، فما الذي يجب أن نخليه؟ وكيف نخليه؟

طالع أيضا  رويدك يا شهرُ

إن البداية تكون بوقفة جادة مع النفس ننظر في عقولنا وقلوبنا، ما الأفكار التي تحمل هذه العقول؟ وما مدى قربها من شرع الله وموافقتها له؟ وما الذي فيها من مخالفات لأمر الله ودينه؟ فلنخل قلوبنا من المخالف ولنحل الموافق. ولننظر كذلك في قلوبنا، ما الخواطر التي تخامرها؟ وما هي المشاعر التي غرسناها فيها؟ هل ملأناها بحب الله وحشوناها بطلب مرضاته في المنشط والمكره؟ أم ران عليها حب الدنيا وملذاتها؟ إنهما حبان لا يجتمعان. روي أن الله تعالى قال لموسى: “يا موسى ما أحبني من أحب الدنيا، وإنه لا يجتمع حبي وحبها في قلب واحد أبدا” فلنخلِ قلوبنا الدنيا، ولنحلَّ حب الله فيها. فالتوبة ثم التوبة ثم التوبة، التوبة لازمة للإنسان في كل حين لزوم طعامه وشرابه، فهي صمام الأمان وحبل الارتباط بالله تعالى. فهذا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم-وقد غفر له ما تقدم وما تأخر من ذنبه روى عنه البخاري عن أبي هريرة أنه قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة”، الله أكبر ما أبقيت لنا يا حبيبي يا رسول الله!

فالتوبة أول الطريق، وأوسط الطرق، ونهاية الطريق، ومن ظن أنه وصل، وفي غنى عن التوبة فقد أخطأ وهلك. فلنتب إلى الله من ذنوبنا، ومن تقصيرنا، ومن غفلاتنا، ومن كبرنا، ومن سوء أخلاقنا، ومن الغيبة، ومن النميمة، ومن شهادة الزور وقول الزور، بل وحتى من هذه الطاعة التي نتبجح بها، ومن، ومن.. فذنوبنا لا حد لها.

فمن أراد أن يستفيد من رمضان فعليه أن يستقبله بتوبة صادقة، تصقل القلب وتهيئه لتشرب النفحات الإيمانية والمعاني السامية التي خص بها الله تعالى هذا الشهر.

وحسبي وحسبك أخي المؤمن أن نتشرف – ونحن نتوب إلى الله – بفرحه تعالى بتوبتنا فرحا يليق بجلاله وعظمته. جاء في الحديث: “للهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يتوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتهِ بأرضٍ فَلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابهُ فأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتى شَجَرَةً فاضطَجَعَ في ظِلِّهَا وقد أيِسَ مِنْ رَاحلَتهِ، فَبَينَما هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِها قائِمَةً عِندَهُ، فَأَخَذَ بِخِطامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبدِي وأنا رَبُّكَ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ” الله الله! ما أكرمك يارب! وما أجلك! لأنت أشد فرحا بتوبتي إليك؟ وما أشقاني إن لم أتب إليك! اللهم أكرمني وإخواني بالتوبة الصادقة إليك.

ثالثا: التصالح مع كتاب الله

لما ذُكر شهر رمضان في القرآن ذكر مقترنا بنزول القرآن، إنه اقتران تشريف وتعظيم، قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ (البقرة: 185). وهنا عبرة لمن اعتبر، شهر رمضان شهر القرآن بامتياز، شهر التلاوة والحفظ والتدبر والإنصات. شهر السهر مع القرآن، والقيام به بين يدي الله، والبكاء على الله.

فهذه فرصتنا يا أخي لنجدد العهد مع كتاب الله، حفظا، وتلاوة، ومدارسة، وتدبرا، والبداية اليوم قبل الغد، فالأمر لا يحتمل التأجيل، فلا ندري متى يأتي الأجل؟ فالأعمار بيد الله وحده.

طالع أيضا  مقاصد الصوم

ولكل عاقل من الناس نسوق هذه البشارة العظيمة التي لو لم يأت في فضل القرآن إلا هي لكفت. روى الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ الصِّيَامُ أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ وَيَقُولُ الْقُرْآنُ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ قَالَ فَيُشَفَّعَانِ” رواه أحمد 6589.

فلنطهر هذه القلوب ولنعدها للإكثار من تلاوة القرآن في هذه الأيام المباركة والليالي الشريفة، فإن لكثرة القراءة في رمضان مزية خاصة وفضل كبير ليس لغيره من الشهور. ولنغتنم شرف الزمان في هذا الشهر الذي أنزل الله فيه القرآن. فإن ليالي رمضان تنقطع فيها الشواغل وتجتمع الهمم ويتواطأ القلب واللسان على التدبر، فاللهم حبب إلينا تلاوة القرآن، وامنن علينا بتدبر القرآن.

وقد ثبت أن جبريل عليه السلام كان يَلقى النبي صلى الله عليه وسلم كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، وقد خص هذا الشهر بمدارسة القرآن دون غيرها من أنواع الذكر. مما يدل على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك وعرض القرآن على من هو أحفظ له. فهذه فرصتي وفرصتك لنعقد العزم على حفظ كتاب الله بتثبيت ما حفظنا، وحفظ ما لم نحفظه بعد.

وقد كان السلف الصالح من هذه الأمة يُكثرون من تلاوة القرآن في رمضان، وكانوا إذا صاموا جلسوا في المساجد، فثنوا الركب، وحملوا المصاحف، وقالوا: نحفظ صومنا ولا نغتاب أحدا.

كانوا يهيمون بالقرآن يقرؤونه في الصلاة وخارج الصلاة. كان عثمان رضي الله عنه يختم القرآن كل يوم مرة، وكان بعض السلف يختمه في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، وبعضهم في كل عشر. وكان للشافعي رحمه الله – الفقيه المجتهد – انقطاع عن الدنيا من أجل القرآن إذ كان له في رمضان ستون ختمه يقرؤها في غير الصلاة. وكان الأسود يقرأ القرآن في كل ليلتين في رمضان.

وكان قتادة يختم القرآن في كل سبع دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر في كل ليلة، وأخبارهم في ذلك مشهورة. إنهم كانوا يعيشون مع القرآن.

فهذه فرصتي وفرصتك يا أخي، فلننظر كم من الناس صحبناهم السنة الماضية، وجالسناهم، وضاحكناهم، هم اليوم يرقدون تحت الثرى، ولو سألناهم عن أفضل ما يتمنون، فنطقوا، لأجابونا “نتمنى عودة إلى الدنيا لندرك رمضان، ونستزيد من الطاعات وأعمال الخير”.

فها أنا وأنت بإمكاننا العودة فلنبادر إلى فعل الخيرات ما استطعنا، فدرب العمر قصير، ومهما طال فلن يخلد.

اللهم بلغنا رمضان، ووفقنا لصيامه وقيامه على أفضل وجه ترضى به عنا، وتوّجنا في نهايته بتاج العتق من النار، فإنك ولي ذلك والقادر عليه. آمين والحمد لله رب العالمين، وأستغفر الله العظيم.