كثيرة هي الأقلام التي تحدثت، وخلال كل الأزمنة التاريخية، عن أهمية الحوار وفوائد الحوار بل وضرورته في المجتمعات الإنسانية، معللة ذلك بما جبل عليه بنو البشر من اختلاف في المدارك والطباع والمصالح… قال الله سبحانه وتعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ  إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ الروم الآية 22.

بل إن تنامي الوعي بأهمية البحث عن منهجية تدبير الاختلاف الثقافي والفكري في الدراسات  المعاصرة،  حيث بدأت كلمة الحوار تتردد في كل مكان، إنما يدل على إدراك الجميع لمركزية الحوار في التدبير الأمثل للاختلاف، بشكل عام، في اتجاه بناء أجواء التفاهم والتعايش السلمي.   

لكن ليس من السهل التسليم بوقوع حوار  بين طرفين أو أطراف متعددة ومن مشارب شتى فقط لأنها أجرت حديثا أو التقت على طاولة واحدة، مهما بلغت درجة التقارب وعمق القضايا المثارة بينها، بل أيضا مهما تمثل هذا  الحوار لما تعرفه الأدبيات المتخصصة في هذا الشأن من  أسس ومنهج وقواعد، والتي هي – من وجهة نظرنا – مبادئ أساسية نعم، لكن ليس لتأسيس الحوار بل لممارسته.

بمعنى آخر إن ممارسة الحوار البناء، وفي قضايا مصيرية كقضايا اللغة والدمقراطية والعدل.. تحول دونه عمليات تصحيحية،  تتم عبر نقد ذاتي وسابق لأنواع الوعي القائمة، وبيان مكامن الزيف فيها، إذ ليس هناك مبررات للجمود على خلاصات تبدو براقة، بل وأحيانا تبدوا معبرة عن “الخصوصية”، والتي يظل المرء يجري وراء إثباتها بأي ثمن، رافضا كل  المشترك الإنساني قبل الجغرافي.

فالحاجة الملحة هنا هي: تغيير الصوة التي ترسمت لدى  الأطراف المكونة للنسيج المجتمعي في هذا البلد أو غيره عن الحوار، ذلك أننا و لأسباب عديدة، تتعلق بالتربية والتعليم وسياسة “فرق تسد” و… افتقدنا العدة النفسية التي تجعل من الحوار نشاطا تواصليا مستمرا، يقوم على مبدأ الاعتراف المتبادل، يقوم على الإيمان بأن التنوع والاختلاف والتعدد عوامل قوة بها يحصل التكامل، يقوم على الايمان بأن الحوار آلية محورية في الحياة عموما والحياة السياسية بشكل أخص، تماما كما   “الديمقراطية”.

من هذا المنطلق يمكن الحديث عن ثوابت مُؤَسسة، نرى أنه بدون استحضارها، بل والإيمان بها لن يكون هناك حوار على الإطلاق، أو يكون جلساء الحوار صما وعميانا.

طالع أيضا  الحوار من أجل البناء المشترك.. ندوة نظمتها العدل والإحسان بالحاجب

ثوابت أربعة يجب أن تترسم، ناسخة غيرها، في ذهن كل الفرقاء؛ وهي متضمنة  في نفس الآية الكريمة التي ما فتئ مقدمو ومسيرو كل لقاء أو ندوة حوارية يقدمون بها جلساتهم، وهي قول الله سبحانه وتعالى في سورة الحجرات: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ  إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ الآية 13.

الثابت الأول هو: الإنسان؛ “يا أيها الناس”

من المعلوم أن “المتلقي للقرآن الكريم هو الإنسان، بغضّ النظر عن عرقه، أو جنسه، أو ثقافته، أو انتمائه (..) وقد وظّف الخطاب القرآني، في الدلالة على هذا المتلقي العام، مجموعة من المصطلحات استثمرها لإيصال خطابه إلى الإنسانية كافة، وعلى رأسها لفظ  (الناس)” 1.

لكن بأي معنى ترد كلمة الناس؟

جاء في المعجم الوسيط: “[النَّاسُ]: اسم للجمع من بني آدم، واحده: إِنْسَانٌ من غير لفظه، وقد يراد به الفُضلاء دون غيرهم، مراعاةً لمعنى الإِنسانيّة” 2.

حيث قالوا في كلمة الناس الواردة في قوله تعالى: ﴿آمنوا كما آمن الناس﴾ [البقرة/13] بأن: “الناس قد يذكر ويراد به الفضلاء دون من يتناوله اسم الناس تجوزا، وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانية، وهو وجود العقل، والذكر – بمعنى الكلام – وسائر الأخلاق الحميدة، والمعاني المختصة به، فإن كل شيء عُدم فِعله المختص به لا يكاد يستحق اسمه كاليد؛ فإنها إذا عدمت فعلها الخاص بها فإطلاق اليد عليها كإطلاقها على يد السرير ورجله، فقوله: ﴿… كما آمن الناس﴾  أي: كما يفعل من وجد فيه معنى الإنسانية، ولم يقصد بالإنسان عينا واحدا بل قصد المعنى” 3.

فيكون بذلك لفظ الناس هذا متضمن لعموم وخصوص، فهو عام لجميع الناس على اختلاف ألوانهم وأجناسهم، وخاص لفضلاء هؤلاء و هؤلاء جميعا.

وبه يكون “تركيز الخطاب القرآني على هذا اللفظ بخصوصه، واختياره على غيره من الألفاظ، مؤذن بقيمته وغنائه في الدلالة على البعد الإنساني في الإنسان” 4.

الثابت الثاني هو: التنوع “شعوبا وقبائل”

في كثير من الآيات يشير القرآن إلى حقيقة التعدد الإنساني وأنه مقتضى المشيئة الإلهية، “خلقناكم”، “جعلناكم”.

طالع أيضا  في الحاجة إلى التربية على قيم الحوار والتسامح

ويتخذ هذا التنوع أشكالا عدة، ذكر منها في هذه الآية اثنان: جنسي (الذكر والأنثى)، وعرقي/قومي (شعوبا وقبائل).

فيما ورد اللغوي (واختلاف ألسنتكم)، والديني وهو في  قول الله  تعالى في سورة البقرة إن الذين آمنوا و الذين هادوا والنصارى و الصابين …. وردت كلها في آيات أخرى من كتاب الله تعالى.

فحقيقة التنوع لا سبيل إلى إنكارها، وهو اعتراف وتثبيت لمعنى “الخصوصية”، لكن دون أي انفصال عن الأصل المشترك الذي يعكس – مما يعكسه – وحدة  الخالق، وبالنتيجة وحدة الخلق بما يحمله من صفات آدمية.

إذ الأصل أن هناك جانبين في حياة أي مجتمع:

الأول:  كوني  يبرز السمات المشتركة للإنسان، فجميع البشر يشتركون في عدد من الغرائز و الحواس، وهناك متطلبات مادية ونفسية مشتركة يتحرك الجميع في إطارها.

فيما:

الثاني: متغير يرتبط بالخصوصيات الدينية والثقافية، وبالهويات القومية والوطنية، وبالتاريخ السياسي والاجتماعي للبشر، وهو متغير بما يلحق هذه الخصوصية من تبدل كنتيجة للاحتكاك الثقافي وانتقال الأفكار ومبتكرات الحضارة من مجتمع لآخر، بل وحتى تَغَير الأوقات والفصول.

 وبه يكون الموقف الصحيح والمبدئي هو الاعتراف بهما جميعا. والتصريح بهما في المكان والزمان المناسبين دون أن يلغي أحدهما صاحبه.     

الثابت الثالث هو: ضرورة التعارف “لتعارفوا”

في معجم المعاني: تَعارَفَ (فعل).

تعارفَ/تعارفَ على، يَتعارف، تعارُفًا، فهو مُتعارِف، والمفعول مُتعارَف عليه.

تعارف الرَّجلان: تحقَّق كلاهما من الآخر وعرَفه.

تعارفوا على أمرٍ: أصبح متّفقًا عليه بينهم، تقال في السلوك والعادات والمعاملات ونحو ذلك حين تصبح مقبولة دون اتّفاق رسميّ.

وتعارفٌ: (اسم) مصدر تَعَارَف.

يقال: حَصَلَ بَيْنَهُمَا تَعَارُفٌ أي تَعَرُّفُ أَحَدِهِمَا عَلَى الآخر.

أما كلمة لتعارفوا: اللام للتعليل، أي أن علة الخلق والجعل بداية هي التعارف، وقيل المقصود  لتتعارفوا وحذفت التاء للاستثقال.

وقيل فيه أيضا لتَعْرفوا مع أَنَّ وليس إن، فيكون المعنى لتَعْرِفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم.

وبالوقوف عند المعنى الأول: فمقصود الآية “التعارف لا التفاخر، وفي ذلك دلالاتٌ هامّةٌ منها: أَنّ التّعارف يقتضي التناصر فيما بين الشعوب والقبائل؛ فلا مجال للتّفاخر، أنّ التعارف ضد التناكر، ومن هنا فإنّ كلّ فعلٍ أو قولٍ لا يفضي إلى تحقيق التعارف بين الأطراف فإنّه خروجٌ  عن المقصود، ونزوحٌ نحو التناكر…” 5.

طالع أيضا  الاختلاف في فكر عبد السلام ياسين.. الداء والعلّة

وبه تمتد مشيئة الله إلى التعارف وقد جاء بصيغة المشاركة، تفاعل، بل وتكون علة لجعل الناس شعوبا وقبائل أي مختلفين.

الثابت الرابع: ميزة التفاضل

وهي أنه ليست هناك ميزة للتفاضل والكرامة عند الله إلا التقوى، ليس العدد والعدة، ليس التاريخ والجغرافيا، ليس…

إذ أن كل تنوع واختلاف بينكم هو مناط تسيير وليس تخيير. فهو سبحانه وتعالى من خلقكم مختلفين، وقدر ذلك بعلمه ولغاية منه سبحانه وتعالى، وجعل كل ذلك آية من آياته.  قال تعالى وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ الروم الآية (22).

وهو نداء منه سبحانه وتعالى، يا أيها الناس، فــ”…الذي يناديكم هذا النداء هو الذي خلقكم من ذكر وأنثى (..) وهو يطلعكم على الغاية من جعلكم شعوبا وقبائل، إنها ليست التناحر والخصام، إنما هي التعارف والوئام. فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطباع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات (..)” 6.

ثم إنه ليس لأحد الحق في ادعاء الاتصاف بها في أي لحظة من اللحظات، لأن الكريم بها حقا هو الكريم عند الله (إن أكرمكم عند الله..).  بل إن أهم ما تحمله كلمة التقوى هي المستقبلية، فهي مناط سعي لا ينتهي وبحث دائم عن السمو الأخلاقي الذي يخترق كل الأديان والأعراف والأماكن.

كما أن العِنْدِية – عند الله – الخاصة بالله في القرآن لها معاني مختلفة، منها ما هو داخل تحت قدرته ومشيئته، وما هو في علمه وحسبانه وتقديره.

والله من وراء القصد وهو السميع العليم.


[1] خطاب الناس في القرآن الكريم.. قراءة في نوعية المضامين وآفاقها.
[2] المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، صدر: 1379هـ/1960م.
[3] نقله الزركشي في البرهان 2/227.
[4] خطاب الناس في القرآن الكريم.. مصدر سابق.
[5] ريم ريان، تفسير وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا (موقع موضوع).
[6] في ظلال القرآن للسيد قطب، تفسير سورة الحجرات.