فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (هود: 112).

الاستقامة عين الاعتدال، وهي  كلمة جامعة آخذةٌ بمجامع الدِّين قولاً وفعلاً، حالاً ونيةً، فلا استقامة مع وجود شيء من الاعوجاج، وحقيقتها امتثال كل مأمور موزون بميزان الشرع من غير تكلف وتجنب كل منهي، مادتها  (ق و م)، والسين والتاء فيها للطلب، كأنّ العبد يتوسل إلى الله تعالى أن يقيمه على الحق، ويثبته على الصدق صومًا دومًا،  فلا يفرغ من تقويم نفسه الأمارة، ومتى ظن تمام تهذيبها فذلك نزغ الغَرور، وغرة بالله، وطيش في ميزان الرجولة، فما أمَر اللهُ بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان إمَّا إلى تفريطٍ وإمَّا إلى مُجاوَزة.

درجات الاستقامة

باب الاستقامة الجوارح، وذلك بكمال التقوى وتحقيق المتابعة، وأشده اللسان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه” 1، وعنه صلى الله عليه وسلم “إذا أصبح ابن آدم، فإنَّ الأعضاء كلها تُكفّر اللسان فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا” 2.

ثم استقامة القلوب بتطهيرها من سائر العيوب، كالكبر والعجب، والرياء، والسمعة، والحقد والحسد، وحب الجاه والمال، واتصافه بأضدادها من الكمالات: كالتواضع لله، والخشوع بين يديه، والتعظيم لأمره، والحفظ لحدوده، والتذلل لربوبيته، والإخلاص في عبوديته، والرضى بقضائه، ورؤية المنة له في منعه وعطائه. ويتصف فيما بين خلقه بالرأفة والرحمة، واللين والرفق، وسعة الصدر والحِلم، والاحتمال والصيانة، والنزاهة والأمانة، والثقة والتأني، والوقار، والسخاء والجود، والحياء، والبشاشة والنصيحة.

أما استقامة الأرواح والأسرار، فتحصل بعدم الوقوف مع شيء سوى الله تعالى، وعدم الالتفات إلى غيره حالاً كان أو مقاماً أو كرامة 3.

الاستقامة الجماعية والاستقامة الفردية

لعظم شأن الاستقامة وقوة الاقتداء بها، اختصها الحق بالمرسلين ابتداءً ثم ورثتهم من بعدهم، فقال لصفيه وخليله عليه السلام وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ (الشورى: 15)، وفي حق موسى وهارون عليهما السلام قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (يونس: 89)، أما في حق سائر المؤمنين، فقد قرنها المولى جلت قدرته بالاستغفار والسداد والمقاربة، حيث علِم أن لا بد للمخلوقين من ملال وتقصير في الأعمال فقال فاستقيموا إليه واستغفروه (فصلت: 6)، فعن ثوبان قال: قال رسول الله عليه وسلم “استقيموا ولن تحصوا، واعملوا وخير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن” 4، استقيموا ولن تحصوا بمعان ثلاثة، أي لن تستوعبوا خصال وثواب الاستقامة، أو لن تطيقوا الإحاطة في أعمال البر كلها (علم أن لن تحصوه) فسددوا وقاربوا، أو لن تطيقوا على الاستقامة بحولكم وقوتكم.

طالع أيضا  ومضات تدبرية -5-الأسرة لبنة بناء الأمة

ثم ورث حقيقة الاستقامة بعد الأنبياء خلفاؤهم، فهذا الصِدّيق رضي الله عنه يخطب فيقول “إني وليتكم ولست من أخيركم، وإنما أنا بشر مثلكم فإن أصبت فاحمدوا الله وإن أخطأت فقوموني، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعصم بالوحي” 5.

وعند البخاري في صحيحه دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ يُقَالُ لَهَا زَيْنَبُ، فقَالَتْ: مَا بَقَاؤُنَا عَلَى هَذَا الأَمْرِ الصَّالِحِ الَّذِي جَاءَ اللَّهُ بِهِ بَعْدَ الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: “بَقَاؤُكُمْ عَلَيْهِ مَا اسْتَقَامَتْ بِكُمْ أَئِمَّتُكُمْ” 6.

ثم تحققت الاستقامة في خلافة عمر قولا وخلقا، فردا وأمة، ومما كان يقول رضي الله عنه “إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَالُوا مُسْتَقِيمِينَ مَا اسْتَقَامَتْ لَهُمْ أَئِمَّتُهُمْ وَهُدَاتُهُمْ” 7 و“الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإن رتع الإمام رتعوا” 8، لذلك كان من سيرته رضي الله عنه كما ذكر ذلك سالم بن عبد الله عن أبيه قال: “كان عمر إذا أراد أن ينهى الناس عن شيء تقدَّم لأهله فقال: لا أعلمن أحدًا وقع في شيء مما نهيت عنه إلا أضعفت له العقوبة” 9.، وفي تاريخ الطبري أنه لما فتح المسلمون القادسية أخذوا الغنائم ودفعوها إلى عمر رضي الله عنه وجيء إليه بتاج كسرى وكثرة ما فيه من الذهب والجواهر المرصعة، وملابس كسرى مرصعة بالجواهر، ولما رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه مقدار ما وصل إليه من أموال إلى المدينة، بكى وحمد الله وقال: (إن قومًا أدوا هذا لأمناء)، فأجابه علي رضي الله عنه: عففت فعفّوا ولو رتعتَ يا أمير المؤمنين لرتعت أمتك”.

بين الكرامة والاستقامة

غاية الكرامة لزوم الاستقامة، و”لا يُشترط في الولي ظهور الكرامة، وإنما يشترط فيه كمال الاستقامة، ولا يشترط فيه أيضًا هداية الخلق على يديه؛ إذ لم يكن ذلك للنبيّ فكيف يكون للولي؟ قال تعالى أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (يُونس: 99) وقد سَرَى في طبع العوام ما سَرَى في طبع الكفار ، قالوا  لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً (الإسرَاء: 90). فكثير من العوام لا يقرون الولي حتى يروا له آية أو كرامة، مع أن الولي كلما رسخت قدمه في المعرفة قلَّ ظهور الكرامة على يديه؛ لأن الكرامة إنما هي معونة وتأييد وزيادة إيقان. والجبل الراسي لا يحتاج إلى عماد” 10.

طالع أيضا  ومضات تدبرية "صلة الرحم شاطئ أمان"

معينات الاستقامة

السير إلى الهدف في طريق مستقيم قد يتيسر في لحظة، ولكن هيهات الثبات والدوام عليه، ومما يعين على ذلك:

الإخلاص ومراقبة الله، قال تعالى في حق سيدنا يوسف كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (يوسف: 24)، بفتح اللام من «المخلصين»، وبكسرها قراءتان معروفتان متفقتا المعنى، وهم المعصومون من الذنوب والفواحش لما أخلصوا الله في خلواتهم وجلواتهم.

العلم بالله ومعرفته تورث خشيته، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية) وقد قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (فاطر: 28)، فكلما كان العبد بالله أعلم كان له أخوف، قال ابن مسعود: وكفى بخشية الله علماً.

إقامة الصلاة والمحافظة عليها ودوام الوضوء دائما أبدا، لقوله تعالى إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولحديث “استقيموا ولن تحصوا”.

الدعاء، “اهدنا الصراط المستقيم” دعاء يحتاجه كل حريص على نجاة مهجته يوم القيامة.

ملازمة الصالحين، فمن استقام على صحبة الكاملين دامت له كرامة التوفيق. ومن انعزل عن جماعة الصالحين ابتلعته الفتنة المحيطة. ومن زهد في حِلَقِ الذكر، وزاغ عن الأوراد، وتهاون في الأوقات، قسا قلبه، وكسِلت جوارحه، وأظلمت روحانيته. ومن عامل الله عز وجل بإرادة مائلة، وأنانية متطاولة، وجبن في مواطن الثبَات، وبخل في حلول الحاجات هَوَى عن العقبة، وسقط فاندقَّت منه الرقبة 11.

قال جعفر بن سليمان مهما فترت في العمل نظرت إلى محمد بن واسع وإقباله على الطاعة فيرجع إلي نشاطي في العبادة وفارقني الكسل وعملت عليه أسبوعاً.

ثواب الاستقامة

خيرها لا يعد ولا يحد، ولا يحصى ولا يستقصى، بل لا طاقة للعقول والقلوب على تقديره حقه، “استقيموا ولن تحصوا”، وقال تعالى إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة (فصلت: 30).

طالع أيضا  وقفات تدبرية.. المحبة دعوى والاتباع برهان

ملازمة الملائكة، في الدنيا بعموم الآية حفظا ونصرة وتأييدًا، وعند الموت، وعند البعث، وعندما يبعث الناس إلى ربهم.

الطمأنينة والسكينة وهي الزيادة في الإيمان والأمن الجماعيين.

ولاية الله لعباده المؤمنين ونصرهم والتمكين لهم بشرط وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.

فدوام الاستقامة يوجب دوام الكرامة، والظلم والطغيان والروَغَان عن الطريق غرامةٌ وندامة. فاللهم  اهدنا إلى السبيل القويم.


[1] مسند الإمام أحمد،  تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط 1،  1421 هـ – 2001 م، مُسْنَدُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.
[2] جامع الصحيح سنن الترمذي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق أحمد محمد شاكر كتاب الزهد، باب حفظ اللسان.
[3] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، ابن عجيبة الحسني، تحقيق أحمد عبد الله القرشي رسلان، القاهرة، ط 1، ج 3، ص 81.
[4] مسند  الإمام أحمد، مُسْنَدُ الأنصار.
[5] البحر الزخار المعروف بمسند البزار، مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ما روى محمد بن أبي بكر عن أبيه أبي بكر.
[6] صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط 1، 1422هـ، كتاب مناقب الأنصار، باب أيام الجاهلية.
[7] الطبقات الكبرى لابن سعد، طَبَقَاتُ الْبَدْرِيِّينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، ومن بني عدي بن كعب بن لؤي، عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
[8] نفسه.
[9] نفسه
[10] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، ابن عجيبة الحسني، تحقيق أحمد عبد الله القرشي رسلان، حسن عباس زكي – القاهرة، ط 1، ج 1، ص 150.
[11] عبد السلام ياسين، الإحسان، ج 2، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط 1،  1998، ص 248.