دعا الأستاذ محمد أغناج، الحقوقي والمحامي بهيئة الدار البيضاء، الحركة الحقوقية المغربية إلى أن تراجع “مسلمة أن المغرب قطع مع ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان”، وتفتح هذا الملف مجددا لأن الانتهاكات مازالت مستمرة وتشكل مسا خطيرا بحقوق وحريات الأفراد.

وذكر أغناج، أثناء مشاركته في الندوة الوطنية الدولية التي نظمتها الفيدرالية المغربية لحقوق الإنسان اليوم الأربعاء 24 أبريل 2019 حول موضوع “الحقوق والحريات العامة بين القوانين الوطنية والتشريعات الدولية”، بأن المغرب اعترف سابقا وبشكل رسمي بماضي سنوات الرصاص والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والتي تم فيها استعمال وسائل الدولة لقمع المعارضين ولمنع أي صوت حر، ورعاية الفساد والاستبداد من طرف أجهزة الدولة خلال فترة محددة.

وأضاف أغناج أنه مع بدايات حكم الملك محمد السادس كانت هناك مجموعة من الإجراءات التي وسمت العهد بـ”الجديد”، منها القول بتصفية هذا الملف والقطع مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتم تأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان إلى غاية يناير 2004 الذي عرف إنشاء هيأة الإنصاف والمصالحة التي كانت مهمتها إثبات نوعية وجسامة الانتهاكات الماضية لفائدة الكشف عن الحقيقة وجبر الضرر.

ورغم هذه الإجراءات، يقول أغناج، استمرت الانتهاكات حيث عاد الاختطاف والتعذيب من جديد.

وأكد أغناج أن كل الحقوقيين بما فيهم السلطات الرسمية المكلفة بحقوق الإنسان، تعترف بأن هناك انتهاكات لحقوق الإنسان، لكن الخطاب الرسمي السائد هو أن المغرب قطع بصفة نهائية مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا.

ولفت أغناج إلى أن القانون الدولي لا يعرّف ما هي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بل حتى لفظ الانتهاكات الجسيمة يأتي بألفاظ متعددة في مختلف العهود والمواثيق الدولية، لكن الإطار العام هو أنها انتهاكات ممنهجة ومتواترة فيها فعل الدولة وليس الأشخاص المكلفون بتنفيذ القوانين، وهؤلاء الأشخاص يستفيدون من الإفلات من العقاب.

طالع أيضا  السلطة لا تتأخر في الرد.. تدخل أمني عنيف ضد مسيرة رجال التعليم في الرباط

وذكر القانوني والحقوقي أن من بين الانتهاكات الجسيمة التي لا تزال مستمرة في المغرب: التعذيب، مشيرا إلى أن المؤسسات الرسمية تنفي، والمغرب صادق على البروتوكولات والاتفاقيات الخاصة بالتعذيب، وحتى قانون المسطرة الجنائية اعتبر التعذيب مبطلا للاعترافات، لكن في الواقع فإن القضاء لا يزال لا يتفاعل مع وقف التعذيب، والنموذج وجود 22 شخصا من ضحايا حراك الريف ادعوا التعذيب منذ أول جلسة، وأنجزت المحكمة محضرا لأحدهم وعاينت آثارا ومع ذلك لم يقع التحقيق وفق المعايير المحددة وفق البروتوكولات والعهود.

إلى جانب هذا المثال عدد أغناج أمثلة أخرى في ذات الملف منها: التقرير الطبي الذي سرب ولم يتم إنكاره من طرف لجنة طبية مفوضة من طرف المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والذي يؤكد أنه في 19 حالة هناك ما يؤكد مزاعم التعذيب ولم يتحدث عنها القضاء نهائيا مع أن الوكيل العام أحالها للملف ومع ذلك تم استبعادها، والفيديو المشهور الذي يظهر ناصر الزفزافي في ضيافة الفرقة الوطنية وهو عار لم يفتح فيه أي تحقيق.

وذهب أغناج إلى القول أن “الدولة المغربية فتحت بابا جديدا الذي هو متابعة الضحايا المبلغين والشهود ورأينا هذا في مجموعة من الملفات”. حيث “أصبح الآن الأمر مشرعا بمنع تسجيل تلك الوقائع حتى وإن كانت في مكان عمومي”.

وتساءل أغناج: هذا التعذيب واستعمال العنف أثناء الإيقاف أو البحث التمهيدي هل يتعلق بأمر فردي؟ ليجيب انطلاقا من الواقع القانوني الذي يعايشه، بأن حالات التعذيب المتكررة والتي أودت أحيانا إلى القتل وهو ما سماه بـ”الإعدام خارج نطاق القضاء”، وعدم فتح أي تحقيق في أي هذه الحالات، وعدم وضع أية قواعد فيما يتعلق باستعمال العنف، وإخفاء الوقائع وعدم تمكين الناس من الحقيقة، وعدم متابعة الفاعلين يجعل الأمر لا يتعلق بحالات فردية معزولة وإنما باستعمال ممنهج.

طالع أيضا  ذ. بوغنبور: الحق في التجمع والحق في التنظيم يعرف وضع خطير جدا بالمغرب

وأشار إلى حالات أخرى تمت فيها انتهاكات جسيمة بسبب خصوصيتها؛ مثل حالة الاحتجاجات الاجتماعية، والأساتذة المتدربين، وطلبة كلية الطب، والمعطلين، وطلبة الكليات.. كلها شهدت استعمال العنف بشكل ممنهج دون أن يفتح فيها تحقيق.

وذكر في هذا الباب أيضا بحالة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وحالة جماعة العدل والإحسان التي تمنع في كل ما يتعلق بها، ويمنع حتى المتعاملون معهم، ليخلص إلى أن “هذا المنع العام في الزمان وفي الخريطة الجغرافية لا يمكن أن يشكل إلا انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان”.

وأوصى أغناج في آخر مداخلته الحركة الحقوقية بالقطع مع مسلمة أن المغرب قطع أشواطا في ملف الانتهاكات الجسيمة، وهي الصورة التي يستفيد من تسويقها على المستوى الخارجي.