تذكيرا بفضائل صلاة الجماعة في ديننا الحنيف وثوابها العظيم، واستنهاضا لهمم المسلمين حثا على إحيائها، واستمطارا لفيض الله تعالى الحنان المنان، حاور موقع الجماعة نت الأستاذ عمر آيت لقتيب الداعية والناشط الإعلامي في هذا الموضوع الهام.

الحوار شمل تعريف صلاة الجماعة، وشروطها، وحكمها الشرعي، والأمور المعينة على إحيائها في المسجد، والتبكير إليه، وختم ببسط نماذج لسلفنا الصالح في ذلك. فإليكم نص الحوار:

ما هو تعريف صلاة الجماعة؟ وهل يشترط فيها حضور المسجد؟

صلاة الجماعة هي الصلاة التي يؤديها المسلم بين جماعة من المسلمين يَؤُمهم إمام واحد يُصلون خلفه اقتداءً به، متوجهين إلى الله عز وجل صفوفا كالبنيان المرصوص، مستمعِين بخشوع لتلاوة الإمام متابعين له بخضوع في أفعاله؛ من ركوع وسجود وغيرها من فرائض الصلاة، وسننها، ومستحباتها، التي جمع الله فيها الخيرية كلها، باعتبارها اتصالا مباشرا بالمولى عز وجل طلبا لما عنده وابتغاءَ مرضاته.

وأداؤها في المسجد أعظم أجرا وثوابا عند الله تعالى، وأدعى للمحافظة عليها طلبا للكينونة مع المؤمنين الذين هم على صلواتهم يحافظون، وأسلم من الوقوع في زمرةِ مَن هم عن صلاتهم ساهون.

ما حكمها الشرعي؟

اتفق العلماء على أن صلاة الجماعة من أجلّ الطاعات، وأفضلها وأعلاها درجة وأرفعها رتبة، وبقي التفصيل في حكمها بين من ذهب إلى اعتبارها واجبة لا تصح الصلاة إلا بها، وبين من اعتبرها واجبة، ومن ذهب إلى كَونِها سنة مؤكدة (جمهور المالكية) ومن قال إنها فرض كفاية.

وكان للفقهاء المتأخرين في المسألة تفصيل أحاط بمجمل الأدلة الصحيحة، أسوق منه هنا ما ذهب إليه الشيخ أبو بكر جابر الجزائري رحمه الله في مؤلفه المصنف (منهاج المسلم) حيث قال:

صلاة الجماعة سنة واجبة في حق كل مؤمن لم يمنعه عذر من حضورها، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم “مَا مِن ثَلاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلاَ بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهمُ الصَّلاةُ إِلاَّ قدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيكُمْ بِالجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الغَنمِ القَاصِيَةَ” رواه أبو داود والنسائي والحاكم وهو صحيح.

وقوله صلى الله عليه وسلم: “لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُر رَجُلاً فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِق بِرِجَال مَعَهُم حِزَم مِنْ حَطَب إِلَى قَوْمٍ لاَ يَشْهَدُونَ الصّلاَةَ فَأحَرِّقَ عَلَيْهِم بُيُوتَهُم بِالنَّار” متفق عليه.

طالع أيضا  أسرار الصَّلاة (2)

وقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الأعمى الذي طلب منه أن يرخص له “أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟” قال: نعم، قال: “فَأَجِبْ” رواه مسلم.

وقول ابن مسعود رضي الله عنه: (ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها – صلاة الجماعة – إلا مُنافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهَادِي بين اثنين حتى يُقام في الصّفِّ) رواه مسلم.

يلاحظ جنوح عدد من الناس إلى الصلاة الفردية في البيوت وتوسعهم في وقت أدائها، وقد لا يحضرون إلى المساجد إلا في المناسبات (الجمع والأعياد ورمضان)، فهل يأثمون لذلك؟ 

التخلف عن الصلاة بالمسجد ومع جماعة المسلمين تهاوناً فيه ترك لهدي نبوي حقيق، بل إن تأخير الصلاة عن وقتها من غير عُذر أكيدٍ قد يُعد من التكاسل الذي وصف الله تعالى به المنافقين بقوله سبحانه: “إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلًا ۝ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ” (النساء: 142-143).

ويقول النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم: “مَنْ سَمعَ النّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلاَ صَلاةَ لَهُ إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ” رواه ابن ماجة،  قيل لابن عباس: ما هو العذر؟ قال: (خوف أو مرض).

أرى أن في هذه الأدلة كفاية موجبة ليتدبر المؤمن المتهاون في أداء الواجب كما يجب، وليعلم يقينا أن الله جل في علاه، يُحب أن يُعبد عن علم، وأن تؤتى عزائمه بحزم المؤمن الموقن بما عنده سبحانه، المُعظم لشعائر الله الساعي لتحقيق أعلى رتبها، حتى يكون من المؤمنين الفائزين المفلحين.

ما هي الأمور المعينة على إحياء الصلاة في المسجد في أول الوقت؟

العون على الطاعات يكون من الله الملك الوهاب أولا، لذا فأول ما يفعل العبد استجلابا لهذه المَزية أن يتوجه إلى الله سبحانه بالدعاء أن يختاره من المعمرين لبيته المتعلقين به، ثم بعدها فالعلم إمام العمل فيجب أن يتعلم المصلي فقه الفضائل، فلكل فعل من رب العباد أجر وبقدر الاجتهاد يتضاعف العطاء، فلا بد من الاطلاع على فضل الصلاة في وقتها ولوقتها وفضل أول الوقت وفضل الصف الأول وفضل إدراك تكبيرة الإحرام وغيره من فضائل الصلاة الجامعة لكل خير، وبعدها فليستعن العبد المسلم بصحبة تدله على المسابقة للخيرات وتكون له دافعا يقويه في طريق الوصول إلى الله، والمعلوم بالضرورة أن طريق الوصول تبدأ بالمحافظة على الأصول التي تعتبر الصلاة أقواها لرفعتها عند الكريم سبحانه ولكونها الباب الذي يناجي من خلاله العبد ربه من دنيا العباد الفانية دون تُرجمان.

طالع أيضا  أسرار الصَّلاة (1)

وبعد هذا؛ فمن الأمور المعينة كذلك أن يعي المسلم أنه وكما لإتيان الطاعات أجر فإن للتهاون فيها وعدم تعظيمها وِزر ، فالحذر الحذر أن ينحى بالمسلم تراخيه إلى طريق النفاق ويزيح به عن الجادة ويوجب في حقه ما حذر منه النبي الأكرم  صلى الله عليه وسلم من وعيد.   

أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بالتبكير إلى الصلاة، لماذا؟

لم يترك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بابا من أبواب الخير إلا دل أمته عليه، والتبكير إلى الصلاة من أعظم هذه الأبواب، فقد قال صلى الله عليه وسلم “أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو الله بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟” قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللّهِ! قَالَ: “إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ علَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ” رواه مسلم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لَوْ يعْلمُ النَّاسُ مَا في النِّداءِ والصَّفِّ الأَولِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يسْتَهِموا علَيهِ لاسْتهموا علَيْهِ، ولوْ يعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِير لاسْتبَقوا إليْهِ، ولَوْ يعْلَمُون مَا فِي العَتَمَةِ والصُّبْحِ لأتوهمُا ولَوْ حبوًا” متفق عليه.

ثم إن التبكير للصلاة فيه تسييج للفريضة بالنوافل من رواتب قبلية ودعاء وذكر للمولى عزّ وجل وإقبال عليه، فتصبح الفريضة في مأمن من نزغ الشيطان وكيده، زد على هذا ما يفيض الله به على المُبكرين للصلاة من فتوحات إيمانية وبركات رحمانية لا حدّ لها ولا حصر.

يتقاعس الكثير من المصلين عن التبكير إلى المسجد رغم ما فيه من أجر وفضل، كيف يتعامل المسلم مع هذه الآفة؟

هنا وجب الحديث بنظرة مزدوجة، أولا عن المسلم المتثاقل الذي يجب أن يجمع العزم ويخاطب نفسه عن المآل ويوم السؤال، ويترك سَجّاد الغفلة، وينطلق سابحا في نعم المولى عز وجل وأفضاله التي لا تعد ولا تحصى، والتي تنطلق من أول قطرة وَضوء إلى التسليم مرورا بالخطى المباركة إلى المسجد واستغفار الملائكة الكرام للجالس به وبركة الدعاء المستجاب بين الأذان والإقامة والفوز بالجلوس بين يدي الرحمان ذاكرا شاكرا مُصليا على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذا باب لمجاهدة النفس ودلالتها على مكمن الخير وسوقها عن مدارك التقاعس والغفلة عن مدارج الفوز والسكينة والفلاح.

طالع أيضا  الخشوع في الصلاة

ثانيا عن المسلم المحافظ على صلاته المُبكر للصف الأول مع الجماعة بالمسجد، والمطلوب منه أن يكون دالا على الخير، داعيا إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، مُسهلا بسط ما يُعين على هذا الحرص لغيره من المسلمين، مصاحبا لكل متكاسل عن التبكير إلى بيت الله، مُبينا فضل هذه المَكْرُمة الربانية.  

هلا وصفت لنا حال بعض السلف في التبكير إلى الصلاة؟

جميل أن نضع نصب أعيننا مناراتِ من اتبعوا الهَدي النبوي المبارك من سلفنا الصالح، على أن يكون هذا دليلا لنا لتسلق درجات المعرفة عن الله كما عرفوا، وشق الطريق إلى الله بثبات وعزم يقين، فلننظر جانبا مما كان عليه سلفنا الصالح، ولتكن هذه النماذج صورا ناطقة لاستنباط العبر والعظات:

قال سعيد بن المسيب: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة.

وقال وكيع بن الجراح: كان الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى.

وقال سفيان بن عُيَيْنة: إن من توقير الصلاة أن تأتي قبل الإقامة.

ويقول محمد بن سماعة بن عبيد الله التيمي: “مكثت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى، إلاّ يوم ماتت أمي”.

وهذا عُدي بن حاتم يقول: “ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلاّ وأنا على وضوء”، وقال: “ما دخل وقت صلاة حتى أشتاق إليها”.

نسأل الله الحنان المنان أن يجعلنا من المقيمين للصلاة حقاًّ وحقيقة، وأن يدركنا ببركات من عنده تفيض علينا إخلاصا في العمل وتعظيما لشعائر الله وتوقيرا لحرمة هذه الشعيرة المباركة التي هي أساس الدين وفسطاطه، آمين.