قال الدكتور عبد الله الحمودي؛ العالم الأنثروبولوجي المغربي، إنه “من الواضح أن الحراكين السوداني والجزائري قد استوعبا دروس الربيع العربي (2011) ومآلاته المأساوية في كل البلدان باستثناء تونس”.

ولخص الحمودي المظاهر الدالة على استفادة حراكي البلدين من موجة الربيع العربي التي اجتاحت دول عربية في بداية العقد، في تصريح لموقع الجماعة.نت، في أربعة دروس:

“الدرس الأول: يتلخص في تعبئة قوة شعبية واسعة احتلت الفضاء العمومي، تعبئة يتعذر معها لجوء الأنظمة القائمة إلى آليات الضبط والقمع (من شرطة رسمية، وتنظيمات سرية، ومخابرات وجيش..).

الدرس الثاني: يتمثل في دينامية توسيع التعبئة خلال عملية الحراك نفسه، والصمود، والإحاطة ببنيات مؤسسات الضبط والإدارات الأمنية والثكنات.. مع تعبئة الرجال والنساء شبابا وكهولا، فُرادى وأسر..

الدرس الثالث: يتمثل في بروز قيادات من داخل الحشود المتحركة والمعبِّئة، من مناضلين ومناضلات، وتنظيمات مهنية وغيرها، مع تعيين لجن تمثلها، وتتولى مهمة التصريحات والمفاوضات باسمها. ظهر هذا بوضوح في الحركة السودانية وبوادره بدأت تظهر يوما بعد يوم في الجزائر.

الدرس الرابع: يتمثل في الحضور القوي والتظاهر المستمر طويل النفس؛ ما يزيد عن أربعة (4) أشهر في السودان، ومنذ أسابيع (كل جمعة) في الجزائر.

هذه الدروس الأربع تفيد أن الحركتين استوعبتا بعض مكامن الضعف في الربيع العربي، وحاولتا تجنب السقوط في نفس المآزق”.

وعرج الحمودي على استقراء جديد الحراكين، فقال: “والأهم هو أن الحركتين جاءتا بالجديد؛ فالتظاهرات تشمل شرائح الشعب قاطبة، في تلاحم النخب التي أبانت عن صدق نضالها من أجل التغيير الحقيقي والملموس، وكذلك فالنساء تلعبن دورا محوريا في الحركتين، وبالخصوص في السودان”.

واعتبر الأستاذ بجامعة برنستون في الولايات المتحدة الأمريكيّة “خروج الشرائح كلها بما فيها الشباب والكهول والشيوخ والأسر.. من مظاهر ضعف الربيع العربي، في المغرب على الخصوص كما في بلدان أخرى: مصر وسوريا وغيرها”.

طالع أيضا  كلمات صغيرة عن أحداث كبيرة

واسترسل باسطا إيجابيات الحراكين “أخيرا يظهر أن هناك توافقا عمليا بين الجماعات التي تحرك الدينامية بأكملها، وهذا شيء حيوي بالمقارنة مع التوافقات الهشة أو المنعدمة بين الأطراف التي نشطت الحراك الأول في تونس ومصر والمغرب، أما سوريا فصراعات الفصائل كانت واضحة ومخَرِّبة، كما في اليمن”.

واستقرأ الحمودي العبرة من حركة السودان في “التوافق على:

– اقتلاع رموز النظام وبنياته الحزبية والعسكرية، كما بنياته التسلطية (بما فيها محاكم النظام).

– رجوع الجيش لثكناته واجتثاث إدارات وشبكات القمع وانتهاك الحقوق الإنسانية.

– اجتثاث رموز الريع وأدواته.

– تكوين كتلة ديمقراطية، تتولى إعادة بناء ديمقراطي سياسي واقتصادي في ظل قانون يحمي الحريات الفردية والجماعية”.

ويزيد من قوة هذه الحركة، حسب الحمودي، “أنه كلما خرج الناس يوما بعد يوم شعروا بقوة الشعب وبشكل متزايد؛ تلك هي ديناميات الحركات. والتظاهرات الحالية هي أطول انتفاضة في تاريخ السودان بعد الاستقلال، وقد تحيل على استعدادات هائلة وتعبئة قل نظيرها”.

وذكّر الحمودي بالنتائج الأولية للحراك السوداني قائلا: “لابد وأن نتذكر أنه في الحالة الراهنة قد اقتلع الحراك رأس النظام، واقتلع أيضا أول رئيس للمجلس العسكري الانتقالي الذي برر تعيينه بذريعة قيادة انتقال منظم منتظم برعاية المؤسسة العسكرية إلى حكم مدني، وقرر مدة الانتقال وحددها في سنتين !!!.

إذن لحد الآن لا زال النظام المفروض بالقوة على الشعب السوداني قائما بالرغم من الصراعات والتناقضات بين مكوناته، ولا يزال الحراك مستمرا بنفس الزخم”.

وأحال العالم الانثروبولوجي على جذور التعبئة التي يحظى بها الحراك في السودان مبيّنا “لا غرابة في كون أهل السودان، رجالا ونساءً، حققوا لحد الآن تعبئة استثنائية بأعدادها وتنوع مكوناتها، ويقظتها. ذلك لأن تجذر التنظيمات الحزبية، وتجذر وقوة تنظيمات المجتمع المدني منذ الكفاح ضد الاستعمار البريطاني والاستقلال (1958)، يمثل خاصية معروفة في ذلك البلد الكبير. كذلك، فإن تيارات الإصلاح المستلهم من الدين الإسلامي تتسم بالتعددية كما كان واضحا مع تيار العلامة الأستاذ المصلح محمود طه وأتباعه، وهم اليوم شتات في السودان وخارجه. ولم يستطع النُّميري بعد انقلابه القضاء التام على تيارات المجتمع المدني أو تيارات الإصلاح الإسلامي المتفتح. ولم يتمكن الانقلاب العسكري الإسلامي بزعامة حسن الترابي الدينية (في البداية) والاستيلاء على الحكم من طرف البشير (منذ 1989) من تركيع السودانيين، بل زاد توقد روح التضحية والثبات فيهم في خضم القمع والهيمنة على الاقتصاد، وحرب الإبادة في أقاليم دارفور، كما زادهم ثباتا خطأ النظام الفادح الذي أدى إلى خسارة جنوب السودان وذهاب ثلاثة أرباع الثروة البترولية جراء ذلك” بحسب قوله.

طالع أيضا  المالكي ربيعة: الربيع الديمقراطي لحظة مفصلية عانقت فيها المرأة كل قضايا التحرر والانعتاق لتحديد مسار جديد للأمة

وقارن الحمودي بين الحالة السودانية ونظيرتها المصرية مبرزا أن “هذه المواجهة بين العسكر والشعب ظهرت في خضمها قيادات تتحدث باسم الحراك، وتلك حالة تشبه حالة مصر وحالة تونس، لكن ميزان القوى في تلك المواجهة غير واضح، والسؤال هو: هل يتوسع الحراك إلى درجة إقناع المؤسسة العسكرية بالرجوع إلى الوراء وتفككها أم لا؟ وحالة مصر تنذر بخطر القمع والتقتيل الجماعي الذي قام به الجيش في تلك البلاد، وبسط نفوذه بالقوة مجددا مستغلا الأخطاء التكتيكية والاستراتيجية لحزب “الإخوان المسلمون” الذي كان فائزا في الانتخابات”.

وسلط الحمودي الضوء على معطى جديد، والذي يؤدي إلى “تعقد الموقف في السودان”، وهو “دخول السعودية والإمارات على الخط، وإعلان مساندتهما للمؤسسة العسكرية. هذا التدخل للبلدين الأقوى ماليا ضد طموحات الشعب السوداني ومطالبه يُدخل عاملا جديدا في معادلة التحول الاجتماعي والسياسي في المنطقة الشرقية والمغاربية برمتها، والجديد فيه هو أنه بعد التدخل بالوسائل المالية والدينية والثقافية يظهر أننا وصلنا إلى مرحلة تغير المسارات بوسيلة القوة والعنف الممنهجين والرسميين”.