اعتبر الصحافي والكاتب علي أنوزلا أن “ما نشهده اليوم من انتفاضات شعبية في الجزائر والسودان هو امتداد لموجات “الربيع العربي” التي لم تتوقف منذ عام 2011، رغم حالة النكوص والتراجع والسكون التي هيمنت على المنطقة طيلة السنوات السبع الماضية. إنها استمرار لحلقات الاضطرابات السياسية التي شهدتها أكثر من دولة عربية في السنوات الأخيرة، جسدتها الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت جنوب العراق الصيف الماضي، وضربت تونس والأردن في شتاء هذا العام، وقبل ذلك عبرت عنها الاحتجاجات التي شهدتها منطقتي الريف وجرادة في المغرب منذ عام 2016″.

وأضاف، في تصريح لموقع الجماعة.نت تمحور حول قراءته للحراكين في الجزائر والسودان، “ثمة من قلل من شأن تلك الاحتجاجات المتناثرة على نطاق واسع لأنها لم تؤدي إلى أي تغيير ملموس، بل بالعكس أدت إلى زيادة القمع، وهو ما خلق أجواء من التشكيك في جدوى التظاهر والاحتجاج، وهذه في نظري ليست هي الطريقة الصحيحة لتقييم الجدوى من الفعل الاحتجاجي، لأنه قد لا يؤتي ثماره فورا لكنه يساهم في بلورة رأي عام غاضب وفي إعادة تشكيل وعي جماهيري مسيس قادر على الفعل”.

وأثار مدير موقع “لكم2” مسألة عدم انتشار هذه الاحتجاجات في باقي الدول العربية كما حصل في 2011، قائلا: “يبقى السؤال الأساسي لماذا لم تنتشر الاحتجاجات التي تشهدها الجزائر والسودان إلى باقي الدول الأخرى، على غرار ما حصل عام 2011؟ وهناك من يذهب إلى التقليل من هذه الاحتجاجات، مقارنة مع تلك التي شهدتها المنطقة إبان فترة “الربيع العربي”، فقط لأنها ظلت محدودة داخل حدود بلدانها.  صحيح أن احتجاجات اليوم جاءت رُدودَ فِعلٍ على تفاقم مشاكل اجتماعية واقتصادية مرتبطة بسوء الحكامة وانتشار الفساد واستمرار الاستبداد، لكن لا يجب أن نتخذ هذه الدوافع الموضوعية دليلا على عدم انتقال عدوى الاحتجاجات إلى خارج حدود بلدانها، لأن جل الدول العربية تتقاسم مع الشعبين السوداني والجزائري نفس المشاكل”.

طالع أيضا  ذ. عبادي: الإسلاميون الذين جاء بهم الربيع العربي أُفشلوا ولم تعطهم الفرصة

واسترسل أنوزلا باسطا الأسباب، حسب رأيه، “ما حصل، وأدى إلى عدم انتقال عدوى احتجاجات السودانيين والجزائريين، هو، أولا، أن المستبدين عملوا طيلة السنوات السبع الماضية، على قمع كل الأصوات الحرة وتجنيد وسائل إعلامهم لتخويف الناس من التغيير، لكنهم نسوا ما هو أهم؛ أي إحداث التغيير الملموس الذي تتطلع إليه الشعوب في حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. الأمر الثاني، هو أن الخوف من انتشار العدوى أصبح أولوية قصوى للأنظمة الإقليمية الداعمة للثورات المضادة، تتعاون فيما بينها وتتناسى خلافاتها الجانبية وتسارع إلى مساعدة الأنظمة المستبدة المهدد بالاضطرابات الشعبية من خلال وسائل مثل المساعدة المالية والدعم السياسي والإعلامي لأنهم ينظرون إلى الثورة في أي مكان على أنها تهديد محتمل لبقاء أنظمتهم”.

وأوضح الكاتب المغربي الجانب الإيجابي الذي طبع الحراكين الجديدين قائلا: “لكن، ما يجب الاعتراف به لموجة الاحتجاجات الجديدة، هي أنها نجحت حتى الآن في الجمع بين من يتوقون إلى الحفاظ على الاستقرار، وبين الساعين إلى التغيير، لأنها أظهرت أنه يمكن، ومن خلال التظاهر السلمي، إحداث تغييرات ثورية كبيرة. وبالتالي فهي سلبت من أعداء التغيير وأعداء الثورات الشعبية ورقة مهمة كانت تستعملها لتخويف الناس من انتشار الفوضى والاضطرابات في حال نزولهم إلى الشارع للمطالبة بحقوقهم”.

وتنبأ أنه “على الرغم من كل المثبطات الحقيقية لموجة الاحتجاجات الجديدة إلا أنها لن تتوقف كما حصل مع موجة الربيع العربي الأولى بسبب تصاعد التحديات الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية، وتجريد المؤسسات السياسية للأنظمة القمعية القائمة من كل شرعية ديمقراطية، وتزايد وتنوع أشكال القمع الذي تمارسه هذه الأنظمة ضد شعوبها، وتنامي نسبة الوعي السياسي داخل أوساط الشباب. وحتى لو لم تنتشر الاحتجاجات بنفس السهولة التي كانت عليها في عام 2011، لتشمل كافة رقعة الشطرنج العربية، إلا أنها لن تتوقف عن التمدد في صمت مثل بقعة الزيت”.

طالع أيضا  الجزائر والسودان.. رموز النظام السابق منبوذة والحراك يواصل تقدمه

ويرى أنوزلا، بشأن تعميم هذه الاحتجاجات على باقي الدول العربية، أنه “إذا ما استثنينا الدول الخليجية التي لديها المال لشراء صمت شعوبها، والدول العربية التي تمزقها حروب أهلية مثل سوريا واليمن وليبيا، ودولة مصر القمعية التي تخنق صوت شعبها، فإن باقي الدول العربية مؤهلة في كل لحظة للانفجار إن لم يحصل ذلك اليوم فهو سيحصل في السنوات القليلة المقبلة”.  

وحول إخفاق ما تعرضت له موجات حراك “الربيع العربي” من فشل في القضاء على أمل الشعوب والنخب في التغيير، قال الصحفي المغربي “لقد خلفت إخفاقات الانتفاضات العربية في عام 2011 إحباطات كبيرة لدى الكثير من النخب والأفراد التواقين إلى التغيير، وأدى ذلك إلى تسرب الشك في كل فعل جماهيري، بل وهناك من أدوا الثمن غاليا جراء تلك الإخفاقات من حياتهم ومن حريتهم، لكن من يؤمن بحتمية التغيير يدرك بأنه لن يأتي فجأة أو بدون ثمن”.