لفت الباحث والأكاديمي الدكتور عبد الله الجباري في خضم موجات الربيع العربي، إلى أن الحكام لم يتطوروا ولم يستوعبوا التغيرات العميقة، واستمروا في سن سياساتهم القديمة، في مقابل التطور الذي عرفته الشعوب في عصر الانفتاح الإعلامي.

وأضاف في تصريح خص به موقع الجماعة نت عن الموجة الثانية من الربيع، قائلا: “عرف الوطن العربي الموجة الأولى من الربيع ابتداء من 2011، وإذا نظرنا في متوازية الصيرورة الزمنية والفاعل الرئيس في الحراك، نجد مسألة غاية في الأهمية، وهي أن المشاركين في الحراك أغلبهم من الشباب، وإذا وضعنا سن 35 سنة كمتوسط عمري للمشاركين، يعني أنهم بدأوا وعيهم في عصر الانفتاح الإعلامي”.

ووضح الجباري ما ذهب إليه قائلا: “في الثمانينيات قد نقبل التزوير الانتخابي إذا ما نجحت السلطة (المالك الوحيد للمعلومة) في تسويق منتجها، لكن في 2011، تعدد مالكو المعلومة، وصار بإمكان أي إنسان أن ينشئ قناته الخاصة، أو وكالة أنبائه الخاصة، ومع ذلك استمرت الأنظمة الحاكمة في نهج سياساتها السابقة، وكأن لم يتغير شيء”.

وأكد بأن العالم العربي طبعته تاريخيا موجات من الاستبداد، في سياقات خاصة، مثل وجود أنظمة عسكرية، ودعم كلي من قوى دولية، وحالة الخوف التي ترسخت في ذهنية المواطن بفعل القمع الشرس الذي تُواجَه به أية حركات احتجاجية (حماة بسورية- حراك 1981 و 1984 بالمغرب)، إضافة إلى عامل قوي وحاسم، وهو شح المعلومة وعسر تسريبها في زمن الانغلاق الإعلامي وأحادية الإعلام الرسمي.

وأكد أن المواطن العربي ضاق ذرعا من هذه الموجة الاستبدادية، واقترن ذلك بعامل الانفتاح الإعلامي منذ أواسط التسعينيات من القرن الماضي بفعل ظهور الصحون المقعرة، ثم ما تلاها من ثورة في هذا المجال مع الهواتف الذكية ووسائط التواصل الاجتماعي.

طالع أيضا  الجيش السوداني يعزل الرئيس.. والمتظاهرون يطالبون بتسليم السلطة إلى حكومة مدنية

ثم تساءل الجباري عن ما بعد الحراك؟ ونفى أن تكون الحراكات العربية فاشلة كما نفى توصيفها بالنجاح أيضا.

وحصر ملاحظته حول نسختَيْ الربيع العربي في نقطتين أساسيتين، تحدث عن الأولى فيما اعتبره بأن: “الأنظمة العربية أنظمة شمولية، تستحوذ على كل مؤسسات الدولة الرسمية والمدنية، فلا غرو أن نجد الأحزاب والنقابات والكُتّاب والعلماء والجيش والبرلمان والدستور تتماهى مع النظام ذاته، لأنه صانعها ومفرزها والمتحكم فيها، وحين يخرج الشعب ثائرا إلى الشوارع يجد النظام نفسه وجها لوجه معه، في حين أن هذه اللحظة الحاسمة تحتاج إلى وسيط نزيه وشريف، فتجد الشارع لا يثق في العلماء، ولا يثق في الكتاب والمثقفين، ولا يثق في الأحزاب والنقابات، وإذا ما اضطر إلى القبول برئيس البرلمان كما هو الحال في الجزائر، وجده صنيع النظام، فلا يجد الشارع بديلا عن الجيش، إما باعتباره قرارا اضطراريا، أو باعتباره شعارا يرفعه مندسون بين المتظاهرين، سرعان ما ينتشر بينهم، ولما كان الجيش من مؤسسات النظام ويتماهى معه، فإنه البوابة الرئيسة لإرجاع النظام كما كان أو أفظع (النموذج المصري)، ولعل الحراك السوداني واع بالمسألة، لذا نجده متشبثا بحكومة مدنية بدل الحكم العسكري. وكذلك الحراك الجزائري المتشبث بتشطيب الباءات الأربع، على اعتبار أنهم جميعا أجزاء من النظام”.

بينما لخص الثانية بقوله: “في النسخة الأولى من الحراك، كان مناضلو كل قطر يتظاهرون لوحدهم، دون تنسيق ميداني مع متظاهري الأقطار الأخرى، لعدة أسباب، منها حصر الاحتجاج في الرقعة الوطنية دون سواها، وعدم وجود قيادات شعبية للحراكات تيسر عملية التنسيق”، معتبرا أن “التنسيق النضالي عمل ضروري، لعدة اعتبارات، أهمها أن الاستبداد ليس قرارا وطنيا، بل هو قرار عابر للحدود، والدليل على ذلك أن الثورات المضادة لم تكن قرارا أحاديا في الدولة ذاتها أو من دولة أخرى، بل الثورة المضادة عمل منظم وناتج عن تنسيق دولي عميق، مثال ذلك: الثورة على مرسي، عرفت تنسيقا ميدانيا بين قيادة الجيش المصري وجزء من النخبة الدينية والمدنية بتنسيق تام بينهم وبين أنظمة أخرى كالإمارات والسعودية وتعاون (أو على الأقل) مباركة من الاتحاد الأوربي وأمريكا”.

طالع أيضا  الربيع العربي في مواجهة النفاق الدولي

وأوضح في هذا الخصوص أن الثوار يواجَهون بتنسيق، لذلك فإنه لا نجاح لهم سوى بالتنسيق، وأشار إلى مسألة غاية في الأهمية، حسب تعبيره، وهي أن الثوار في الجزائر لا يرفعون شعارات ضد حكام الجزائر فقط، بل يرفعونها ضد فرنسا والإليزيه أيضا.

وختم الجباري تصريحه بقوله “وإذا استحضرنا الحضور الاستعماري المتواصل لفرنسا في تونس، وكذا حضورها الخطير في ليبيا، فإن تنسيق الثوار في هذه البلدان قد يربك حسابات فرنسا، كما أربكها التنسيق الميداني لجيوش التحرير بشمال إفريقيا إبان الحقبة الاستعمارية”.